يقول البعض عن باكستان (لا أحد فيها يستطيع تحريك حجر الا باذن واشنطن). هذا الرأي رغم قسوته، يعبر عن الواقع. فلم يكن بمقدور الجنرال برويز مشرف أن يصمد طوال سنواته التسع التي قضاها حاكما لباكستان، لولا دعم الولايات المتحدة . وما كان لخصومه أن ينزعوه من السلطة الا باذن واشنطن.
كان مشهد استقالة الجنرال وخروجه من القصر الرئاسي مأساويا، فالجنرال القوي كان هشا ومكتئبا، وكأنه لم يتخيل أبدا أن تأتيه هذه اللحظة الثقيلة . ولكن ما حدث يعد نتيجة طبيعية للطريقة التي استولى بها على الحكم، وأيضا للطريقة التي أدار بها هذا الحكم. فهو انقلب على حكومة ديمقراطية منتخبة، وحكم بطريقة استبدادية. قمع كل معارضيه، وارتكب المذابح بحق أبناء الشعب. وحول الجيش الباكستاني من مدافع عن الوطن الى محارب داخل الوطن، انصياعا لتوجهات أميركية.
كان الجنرال ـ المستقيل عزلا ـ يعتمد في شرعيته داخليا على الجيش، وحزب مصطنع، ولكن شرعيته الحقيقية كانت مستمدة من الولايات المتحدة، ومن أجل ذلك كان يقدم لها خدماته في محاربة القوى المناوئة لها في باكستان وأفغانستان، تحت لافتة الارهاب ، وكانت هي تغدق عليه الدعم المالي والسياسي. وعندما عجز الجنرال عن القيام بالدور المحدد له فوق رقعة الشطرنج، ذهبت واشنطن الى خصومه وعقدت معهم الصفقات، وأعادتهم من المنافي العربية والأوروبية ووضعتهم على كراسي السلطة.
هذا السيناريو المحبوك جيدا، الذي حدث مع الجنرال مشرف هو حالة شبه مستمرة بين القوى الكبرى وحكام من العالم الثالث، فمن قبل حدث مع شاه ايران محمد رضا بهلوي، ومع الجنرال أوجستو بينوشيه في شيلي، ومع ألبرتو فوجيموري في البيرو، ومع الجنرال انستازيو سوموزا في نيكاراجوا، ومع فرديناند ماركوس في الفلبين، ومع ادوارد شيفرنادزه في جورجيا، والآن يجري مع خليفته ميخائيل سكاشفيلي، كماجرى مع موبوتوسيسي سيكو ئيس زائير، ولم يكن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بعيدا عنه، ولا حتى خلفاؤه وبعض نظرائه.
وعلى الرغم من قوة الاضاءة فوق رقعة الشطرنج، فلا أحد يتعلم في العالم الثالث، خاصة العسكر منهم . فالسيناريو ذاته غير بعيد عما يجري في موريتانيا. والضجة المثارة ضد الانقلاب من جانب القوى الكبرى ـ رغم ضرورتها ـ ليس هدفها الحفاظ على الديمقراطية الوليدة من صندوق الانتخاب. وانما هدفها تطويع الانقلابيين الجدد لصيانة وتحقيق المصالح الدولية، وليصبحوا ترسا في السياسة الغربية، مثلما كان الجنرال مشرف وأمثاله.
وينطبق ذلك أيضا على بعض دول العرب، فمعظمها يعيش في قلب المصالح الغربية، وفي بؤرة مشروعاته الاستعمارية الاستبدادية. وما كان يمكن انتهاك حقوق الانسان في ميادين الاقتصاد والاجتماع والدين والسياسة ، بعيدا عن معادلة الجنرال التابع .
فالمستبدون الذين يخنقون شعوبهم، يمارسون استبدادهم بدعم الغرب. ولولا الأضواء الخضراء والبرتقالية التي يمنحها لهم، لما جرؤوا على ارتكاب جرائمهم، ولما استأسدوا على الضعفاء، ولما اقتسموا الأوطان مع المترفين. ولو فعلوا غير ذلك لأشهر في وجوههم أسلحته الدولية الفتاكة.
ان مشهد الجنرال الباكستاني قابل للتكرار والاعادة ضد كل من أباح لنفسه اختطاف الوطن تحت السلاح، وضد كل من رهن نفسه للقوى الخارجية بعيدا عن شرعية الدستور والقانون، لأن استقرار أي حكم واستمراره لابد وأن يكون من داخل الوطن، ومن شرعية التوافق العام، حتى وان كان ذلك ثقيلا، فثقل الداخل أخف دوما من أثقال الخارج .
الجنرال مشرف انتقل منذ أيام الى الماضي، فيما يتقوى خصومه بالحاضر. وما لم يتعلم هؤلاء أيضا من أخطائهم السابقة ومن أخطاء الجنرال، فقد يلقون مصيره على يد جنرال جديد تعده أميركا ليواصل خدمتها، من الانتخابات الى الانقلابات.
ان درس الجنرال وخصومه لا يزال ساخنا لمن أراد الموعظة، لكن من يتعظ؟ فأطماع السلطة أقوى من كل المواعظ ، وسيظل الغرب هو اللاعب والفائز.
أما الدول المتخلفة فهي الخاسرة في مقامرة فرضت عليها، وستظل كذلك مالم تتحرك لانقاذ نفسها، ولها في دول أميركا اللاتينية ـ غير البرتقالية ـ خير عبرة وعظة، مادام المستبدون لا يتعلمون ولا يتعظون .
