عندما تأتي ذكرى استقلال الهند وباكستان، فالأجدر أن يكون الحديث عن صانع هذا الاستقلال الذي بهر العالم بنضاله السلمي الراقي وحظي بمكانة متميزة ولائقة في التاريخ الحديث ، بل ونال احترام خصومه الانجليز الذين استحوذوا على بلده وجعلوه «درة» التاج البريطاني.
صانع الاستقلال في شبه القارة الهندية يأتي على رأس المناضلين من أجل الحرية خلال النصف الأول من القرن العشرين. ورغم رحيله منذ 60 عاما، إلا أن ذكراه باقية أبد الدهر. انه المهاتما غاندي. فأي حديث آخر يتعلق بالبلدين اللذين يحتفلان اليوم بعيد استقلالهما، قد يثير الأسى ويعيد ذكريات أليمة مفجعة ارتبطت بميلاد هذا الاستقلال. إذ صاحبه تمزق وعنف دموي واقتتال بين عنصري شعب كبير ذي حضارات متنوعة، هما المسلمون والهندوس... غاندي .. بطل استقلال شبه القارة الهندية، صاحب نظرية في النضال أتت ثمارها فيما بعد. فهو الذي ابتكر مبدأ المقاومة السلمية، أو الكفاح بلا عنف الذي يعرفه الهنود باسم الـ (الساتياراها). وقد دافع عن نضاله السلمي مؤكدا أنه ليس عجزا أو ضعفا، بل انه نضال كشف استبداد الاستعمار البريطاني وأساليب قمعه وعراه أمام المجتمع الدولي ، وبالتالي حاز على دعم وتأييد الرأي العام العالمي لمسيرته.
استخدم غاندي في مقاومته السلمية بعد أن عاد من جنوب أفريقيا إلى الهند عام 1915، أساليب احتجاج أفزعت الانجليز وأجبرتهم في النهاية على الاستجابة لمواقفه. لجأ إلى الصوم حتى ولو كانت نهايته الموت، ولجأ إلى الاعتصام والمقاطعة والعصيان المدني. وكان هدفه أن تحصل بلاده على استقلالها بطرق المقاومة السلمية. وأشهر عمل وطني قاده غاندي، هو ما عرف بمسيرة الملح الذي حرموا الانجليز من احتكاره. وكانت له عبارة مؤثرة تقول «اتركوا الهند وأنتم أسياد». وكان رد الفعل البريطاني عليها عنيفا، اذ تعرض هو ورفاقه وأنصاره للاعتقالات والقمع وسجن من جديد.مع نهاية الحرب العالمية الثانية، بدا المشهد في صالح مسيرة الاستقلال التي قادها هذا المناضل، ولكن كان هناك مشهد آخر مواز لمسيرة النضال..
مشهد محزن، تألم منه غاندي، ألا وهو الاقتتال الدامي بين المسلمين والهندوس الذين جمعهما طريق واحد نحو الاستقلال خاضه مع المهاتما تلميذاه «المسلم» محمد علي جناح و«الهندوسي جواهر لال نهرو». صاحب استقلال الهند الذي أعلن عنه في 15 أغسطس 1947 أسوأ اضطرابات دينية تشهدها البلاد. وكان غاندي في أسوأ حالاته النفسية وهو يتلقى أنباء اقتتال عنصري الأمة الذي أسفر عن آلاف وليس مئات من القتلى، ولأنه كان يطالب بعد إعلان الاستقلال بأن ترعى الأغلبية ؟
الهندوس- حقوق الأقلية المسلمة، فقد نال منه المتعصبون من الهندوس الذين أعماهم التطرف عن احترام رحلة غاندي من أجل حرية الهند. وسقط بطل الاستقلال برصاصات غدر قاتلة أطلقها مهووس هندوسي في الثلاثين من يناير 1948.
سقط غاندي بعد أن رأى أمامه دولتين يقودهما تلميذاه. محمد علي جناح يقود باكستان، ونهرو يقود الهند. والبلدان رغم تاريخهما المشترك، لم يفلحا في حل القضايا التي دفعتهما إلى الحرب، بل ثلاثة حروب دامية. أولاها مع فرحة الاستقلال، وأخراها في بداية السبعينات.
-الحرب الأولى (47-1948) انتهت بتقسيم إقليم كشمير بين البلدين فصارت جامو وكشمير تخضع للسيادة الهندية وآزاد كشمير (كشمير الحرة) تخضع لباكستان.
- الحرب الثانية ( 1965) هي أيضا بسبب كشمير، ولم تسفر تلك الحرب عن نتيجة حاسمة لتلك القضية.
- أما الحرب الثالثة ( 1971 ) ؟ فهي التي انتهت بتقسيم باكستان نفسها. وصار القسم الشرقي منها يعرف بدولة بنغلاديش.
هذه الحروب، كانت وبالا على شعبي البلدين ، عرقلت مسيرة التنمية رغم ما لديهما من طاقة بشرية وموارد طبيعية كفيلة بانتشال الهند وباكستان من كافة مشاكلهما الاقتصادية.
أخطر ما في الصراع الهندي- الباكستاني، أن البلدين صارا عضوين في النادي النووي.
البلدان تبادلا التفجيرات النووية . الهند تفجر وباكستان ترد بتفجير مماثل عام 1998.
وبات اللعب بالنار النووية يهدد استقرار البلدين. وقد شهدت الألفية الجديدة تحركات ايجابية من جانب الطرفين من أجل التعايش السلمي فيما بينهما. كانت البداية قمة أغرا عام 2001.
وتواصلت اللقاءات. وقرر البلدان خلال محادثات جمعتهما إنشاء مجلس أعمال مشترك لتحسين التجارة بينهما وإطلاق خط للسكك الحديد بين ولاية راجاستان الهندية وإقليم السند الباكستاني. وسعى الرئيس الباكستاني برويز مشرف ورئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ في أعقاب قمة بينهما عقدت في دلهي في ربيع 2005 الى مواصلة تعزيز العلاقات التجارية بين البلدين.
وقتها أجريت المحادثات بينهما في أجواء وصفت بأنها «دافئة للغاية». ولكن أصل المشاكل لم تحل، وهي قضية كشمير. ومع ذلك فالأمل قائم في أن يصل البلدان الى مرحلة جديدة من العلاقات ترسخ التعاون وربما التكامل فيما بينهما، يدفعهما في ذلك تاريخ طويل من النضال قاده زعيم حرص على استقلال ووحدة الهند هو المهاتما غاندي، وكان معه في خندق واحد محمد علي جناح ونهرو.
إضاءة
محمد علي جناح مؤسس جمهورية باكستان، ولد في مدينة كراتشي لأسرة تجارية ثرية. عمل بمهنة المحاماة التي أثبت فيها كفاءته وقدراته الخطابية. شارك في النضال في صفوف المهاتما غاندي. ومنحه المؤتمر التأسيسي الأول في باكستان لقب قائد عظيم رسميا. وتوفي في سبتمبر 1948 عن عمر ناهز الاثنين والسبعين عاما، والحرب مازالت مشتعلة بين الهند والباكستان.
أما نهرو.. فهو أيضا من أسرة ثرية وأحد زعماء حركة الاستقلال في الهند، وأول رئيس وزراء لها بعد الاستقلال، وشغل المنصب من 15 أغسطس 1947 حتى وفاته في 27 مايو 1964.أسس مع الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر وسوكارنو رئيس اندونيسيا وتيتو رئيس يوغوسلافيا حركة عدم الانحياز. وأنجب ابنة واحدة هي أنديرا غاندي التي أصبحت بعد ذلك رئيسة للوزراء.
حسن صابر


