فجأة تحولت أجواء التفاؤل إلى تشاؤم في مينداناو بجنوب الفلبين بعد أن أصدرت المحكمة العليا في مانيلا، مؤخراً، قراراً بوقف التوقيع على اتفاق يقضي بمنح جنوبي البلاد ذي الغالبية المسلمة حكماً ذاتياً كجزء من اتفاق نهائي لإنهاء عقود من التمرد الذي تقوده جبهة تحرير مورو الإسلامية بعد اعتراض تقدم به سياسيون مسيحيون.

وكان يفترض أن يتم توقيع الاتفاق ـ الذي استغرق التفاوض بشأنه عقدا كاملا بوساطة ماليزية ـ في الخامس من أغسطس الجاري في العاصمة الماليزية كوالالمبور بحضور وزير الخارجية الفلبيني ألبرتو رومولو ونظيره الماليزي ريس ياتيم قبل أن تصدر المحكمة العليا الفلبينية قرارها.

وقد كان لهذا القرار، الذي اعتبره المراقبون نكسة لعملية السلام، تداعيات خطيرة على الهدنة الموقعة بين الحكومة الفلبينية وجبهة مورو، حيث اندلعت مواجهات مسلحة محدودة في مناطق مينداناو وقام مسلحون من القوى الوطنية الإسلامية بالسيطرة على بعض القرى في المنطقة، الأمر الذي استدعى إصدار الحكومة الفلبينية إنذاراً لهؤلاء المسلحين بمغادرة تلك البلدات الواقعة في إقليم شمال كوتاباتو وإلا فإن الجيش سيستخدم القوة لطردهم.

ويعد هذا التصعيد الأخطر على اتفاق السلام بين الحكومة الفلبينية وجبهة تحرير مورو الإسلامية، ويتخوف المراقبون من أن تخرج الأمور عن نطاق السيطرة، بحيث يصبح من الصعب على اللجان المكلفة بمراقبة وقف إطلاق النار من الجانبين تطويق الخلافات وإنهائها.

وكان الاتفاق الجديد ينص على أن الحكومة المستقبلية في المنطقة التي يتمتع فيها المسلمون بالحكم الذاتي وتعرف باسم وطن بنجسامورو ستمنح حقوقا كاملة لاستغلال الأرض والتنقيب واستخراج مصادر الطاقة المحلية الموجودة في البر والبحر واستغلال الموارد المعدنية.

وكان الطرفان، أي الحكومة الفلبينية وجبهة تحرير مورو الإسلامية، قد قررا توسيع الاتفاق الحالي الذي يضم ستة أقاليم ذات أغلبية مسلمة في منطقة تتمتع بالحكم الذاتي، ليشمل أكثر من سبعمائة قرية جديدة في مينداناو ، بينماألا أعربت الجبهة عن استعدادها للتخلي عن مطالبتها بدولة إسلامية مستقلة مكتفية بالسيطرة على بعض الأراضي. ويعترض بعض الساسة المسيحيين على هذا الاتفاق بحجة أنه لم تتم استشارتهم وأن توسيع منطقة الحكم الذاتي الإسلامية قد يجدد العنف الطائفي جنوبي البلاد.

كانت بداية تفجر الوضع العسكري بين الجانبين في عام 1970 نتيجة لدعم الحكومة الفلبينية لجماعات مسيحية مسلحة ضد المسلمين، وتأسست إثر ذلك الجبهة الوطنية لتحرير مورو عام 1972 لتقود مواجهات مسلحة ضد النظام الفلبيني، غير أن هذه المواجهات لم تسفر عن انتصارات حاسمة لأي منهما.

ومنذ عام 1976 انطلقت سلسلة من مفاوضات السلام بين الحكومة وقادة الجبهة الوطنية بوساطة ليبية أسفرت في النهاية عن توقيع اتفاقية طرابلس التي تنص على منح المسلمين حكما ذاتيا، إلا أن الاتفاق لم يدخل حيز التنفيذ؛ نظرا لمماطلة الحكومة الفلبينية كما تتهمها بذلك الأقلية المسلمة، وسرعان ما عادت الأمور إلى التوتر، وعادت معها العمليات المسلحة بين الجانبين.

وفي عام 1993 توسطت إندونيسيا في الصراع بين الجبهة والحكومة، وبعد ثلاث سنوات نتج عن تلك الوساطة توقيع اتفاق سلام جديد في يونيو من عام 1996 تنص بنوده على إنشاء مجلس للسلام والتنمية في جنوب الفلبين يستمر لمدة ثلاث سنوات، ويُجرى بعدها استفتاء شعبي في مقاطعات الجنوب تُخَّير فيه كل مقاطعة على حدة في الانضمام للحكم الذاتي الإسلامي، مع دمج المليشيات العسكرية التابعة للجبهة الوطنية في جيش الفلبين المركزي.

غير أن المسلمين كانوا يخشون أن لا يسفر هذا الاستفتاء -في حال إجرائه- إلا عن موافقة خمس مقاطعات فقط -من أصل أربع عشرة مقاطعة- على الانضمام للحكم الذاتي الإسلامي، وذلك بسبب التغييرات الديمغرافية التي تمت في تلك المقاطعات وجعلت الأغلبية العددية للمسيحيين .

ثم جاء الاتفاق الأخير بين الحكومة وجبهة تحرير مورو الإسلامية، المنشقة عن الجبهة الوطنية، ليشكل بارقة أمل في إنهاء الصراع المحتدم منذ عقود والذي حصد خلال هذه السنوات أكثر من 120 ألفاً وشرد نحو مليوني نسمة، ولكن ما جرى بعد قرار المحكمة العليا بتجميد التوقيع على الاتفاق ربما يكون قد وضع المنطقة على أبواب المجهول.

ضرار عمير