إن كل ساعة تمضي بعد الإفراج عن سمير القنطار تعد اعتقالا سياسيا غير مبرر.
وسنتعامل مع هذا الاعتقال بكل أشكال النضال القانونية والجماهيرية المتاحة.. وإن الاعتصام الجماهيري الحاشد الذي حصل يوم السبت 2/8/2008 أمام رئاسة الوزراء أول الغيث وأقلّه. هذا ما كتبه مؤخرا عميد الأسرى الأردنيين في السجون الاسرائيلية سلطان العجلوني ورفاقه الثلاثة في رسالة بعثها الى رئيس الوزراء الاردني نادر الذهبي، هي الثانية من نوعها بعد الافراج عن عميد الاسرى اللبنانيين في اسرائيل سمير القنطار. الأسرى الأردنيون الأربعة الذين جرى ترحيلهم من إسرائيل إلى سجن قفقفا الاردني شمال البلاد لقضاء مدد محكوميتهم يسعون اليوم للبحث عن إجابة لسؤال يبدو أن الكثير من الأردنيين ينتظرون الإجابة عليه بفارغ الصبر، وهو: هل ستفرج عنهم الحكومة الأردنية وتخلي سبيلهم منتصف الشهر الجاري، وفق الاتفاق الذي كشفت عنه حكومة الدكتور معروف البخيت في حينه؟
في الخامس من يوليو عام 2007، رحلت إسرائيل إلى المملكة أربعة أسرى أردنيين كانوا أسرى لديها هم: سلطان العجلوني، وخالد أبو غليون وأمين الصانع، وسالم أبو غليون، في إطار صفقة ذكرت الحكومة الأردنية في حينها أنها عقدتها مع نظيرتها الإسرائيلية، وطوال مدة عام تصرفت إدارة السجن مع الأسرى بأنهم نزلاء مميزون فقد كان في إمكانهم الحصول على اجازات من السجن للزواج او لرؤية أهلهم او حتى للمشاركة في مناسبة اجتماعية ما. «ولكنه يبقى سجنا» يقول سلطان العجلوني لـ «البيان».وكانت محكمة اسرائيلية حكمت على «الأربعة» بالسجن مدى الحياة بتهمة قتل جنديين إسرائيليين في نوفمبر 1990، في عمليتين منفصلتين قبل أربعة أعوام من توقيع معاهدة السلام بين الاردن وإسرائيل.
وجاءت رسالة الأسرى في سياق الجدل الحاد الذي وقع خلال الأسابيع القليلة الماضية بين الأسرى وذويهم ومؤسسات مجتمع مدني من جهة والحكومة الاردنية من جهة أخرى، وبعد يوم واحد من صفقة تبادل الأسرى «عملية الرضوان» بين حزب الله واسرائيل في 16/7/2008م، والتي أطلق خلالها سراح عميد الاسرى اللبنانيين سمير القنطار، دون أن يجري الإفراج عن «الأسرى الأربعة».
ويستند ذوو الأسرى في رفضهم استمرار اعتقال أبنائهم إلى تعهدات قالوا إن الحكومة أكدتها لهم قبيل عملية ترحيلهم إلى الاردن، وجددها لهم يوم الترحيل 5/7/2007 رئيس الوزراء الأردني السابق البخيت في مؤتمر صحافي عندما قال فيه: إن عملية الاحتفاظ بالأسرى ستكون لمدة أقصاها 18 شهرا، أو الإفراج عنهم في حال حصلت أية عملية إفراج عن أسرى فلسطينيين أو عرب ممن تشابه تهمهم تهم أسرانا سواء أكان ذلك عبر تبادل للأسرى أو غيره»، وهو ما حصل في عملية الرضوان دون ان يجري الافراج عن الأربعة.
ووفق ذوي الأسرى الأربعة، فإذا لم تفرج الحكومة عنهم استنادا إلى البند الثاني من الصفقة الأردنية، والذي ينص على أن «الحكومة تستطيع الافراج عن مواطنيها الأربعة اذا ما أفرجت اسرائيل عن أسرى تشابهت مدد محكومياتهم بمدد محكومية الأردنيين الأربعة» فإن على الحكومة الإفراج عن مواطنيها الأربعة استنادا إلى البند الاول وهو «الاحتفاظ بهم حتى 18 شهرا».
ووفق حسبة قانون السجون في الاردن والذي يحسب سنة السجن بـ 9 أشهر، وليس 12 شهرا فان على ادارة السجن ان تفرج عنهم يوم 19 الشهر الجاري.
ولكن المفاجأة التي ألهبت الساحة الاردنية جدلا هي نفي وزير الدولة لشؤون الاعلام والاتصال ناصر جودة - خلال مؤتمر صحافي عقده قبل أسبوعين - وجود صفقة مكتوبة بين الاردن واسرائيل بخصوص الاسرى الاربعة، وان كل ما جرى مجرد تفاهمات شفوية ومكالمات هاتفية. وهو ما فهمه الأسرى وذويهم بأنه إشارة تفيد بأن الحكومة لن تفرج عن «الأربعة» منتصف شهر اغسطس الحالي.
وجاءت تصريحات المسؤول الاردني تلك ردا على تقارير صحافية طالبت بالافراج عن الاسرى بعد عملية الرضوان.
أما بالنسبة لذوي الاسرى فقد لخصت «أم عيسى» والدة سلطان العجلوني عميد الاسرى الاردنيين طلباتهم بالقول في تصريح لـ «البيان»: «بدنا من الحكومة تجبر بخاطر العجلوني واصدقائه». و«أم عيسى» شعرت كما قالت بالحرقة عندما رفع اللبنانيون الزينة واقاموا الاحتفالات بتحرير اسراهم.. «أما نحن فما زلنا نسجن بايدينا سلطان والشباب اللي معه» على حد قول الحاجة ام عيسى.
وبلهجة حاجة أردنية علمها أسر ابنها السياسة قالت أم عيسى : أحضرنا الحلو والدف وزينا البيت من الرمثا (مدينة على الحدود السورية)، والبيت كل يوم فيه زوار من وقت ما خرج سمير القنطار، مشيرة إلى أن أهل البيت يحتفلون من وقت خروج القنطار وينتظرون لحظة خروج ولدهم من السجن. وقالت: حكوا لنا يمكن يفرجوا عنهم بـ 19- 8 واللي صبر 18 سنة بصبر كمان أسبوع.
هذه الأجواء دفعت وسائل الاعلام المحلية إلى وصف عشرات التصريحات الرسمية ذات الصلة «بالاحاجي والالغاز». فلا أحد يفهم ما الذي ستقوم به الحكومة، وهل هناك صفقة أم لا؟.
وحتى تزداد الأمور غموضا قال مقرر اللجنة الوطنية للاسرى والمفقودين الاردنيين في المعتقلات الصهيونية ميسرة ملخص في تصريح لـ «البيان»: إن آخر التطورات كانت بتصريح رئيس الوزراء بحضور الملك بأن مدة سجن الاسرى الاربعة تنتهي في 19 /8/2008، وانه من المنطق أن من تنتهي مدة محكوميته يفرج عنه فورا.
وأضاف انه علم أن مديرية الامن العام خاطبت ادارة السجن وطالبتها بتحديد المدة حسب القانون الاردني والذي يقضي الشخص 9 اشهر وأن ادارة السجن أجابت ان 19/8/2008 هو التاريخ الواجب الافراج عنهم.
وأشار إلى أن اللجنة تدين أصلا اعتقالهم في بلدهم. وقال بعد أن نسيت الحكومات المتعاقبة هذا الملف منذ التوقيع على المعاهدة في العام 1994 وفاوضت الكيان دون الافراج عن اسراها رحلتهم الى بلدهم قبل عام وحسبتهم فيه بخلاف القانون الدولي واتفاقية جنيف التي تقضي بالافراج عن الاسرى بين بلدين كانا في حالة حرب وجرى بينهما توقيع معاهدة السلام.
أما وزير الخارجية صلاح الدين البشير فقد أشار في تصريح له إلى وجود التفاهم يتضمن مذكرة متبادلة بين وزارتي العدل في الاردن واسرائيل ومحضر مكالمة هاتفية بين وزير الخارجية الاردني في حينه عبد الاله الخطيب ونظيرته الإسرائيلية تسيبي ليفني. ولكن وزير الدولة لشؤون الاعلام قال للصحافيين إن التفاهم الموجود شفهي، وفي اليوم نفسه نقل عن رئيس الوزراء قوله ان محكومية الأسرى الأربعة تنتهي منتصف الشهر، ورفض وزير الخارجية الحديث عن تفاصيل التفاهم للصحافيين.
فيما تتمسك الحكومة الاردنية بان عليها واجبات تجاه باقي الاسرى الذين ما زالوا في السجون الاسرائيلية وانها في حال اطلقت سراح الاربعة دون موافقة اسرائيل فان ذلك يعني صعوبة عقد أي صفقة أخرى للإفراج عن الأسرى الباقين بحوزة اسرائيل والبالغ عددهم نحو 34 اسيرا بالاضافة الى مثل هذا الرقم من المفقودين.
فيما يؤكد وزراء حكومة معروف البخيت الذين انجزوا الصفقة أن هناك بالفعل اتفاقا مكتوباً يسمح بالافراج فورا عن الاسرى الاربعة في سجن قفقفا.
ويشرح الكاتب والصحافي الاردني فهد الخيطان كل ما يجري بأنه مرتبك ويقول: جرت طيلة الايام الماضية اتصالات رسمية مع اسرائيل للتفاهم على تنفيذ «التفاهم» ويبدو ان عدم موافقة اسرائيل على اطلاق سراحهم هو ما يعيق اغلاق ملفهم، في الوقت الذي يؤكد فيه وزير الخارجية ان الحكومة لم تتلق جوابا سلبيا حول ملف الاسرى.
أما اسرائيل وهي الغائب الحاضر في كل ما يجري فتقول: ان اتفاق ترحيل الاسرى الاربعة لا يسمح للاردن بالافراج عنهم قبل 18 شهرا. ولكن هذا لا يبدو انه يفتح المجال أمام الوضوح، بل يزيد المسألة غموضا، فهل سيتم الافراج عنهم بتطبيق قانون السجون الاردني الذي يحتسب سنة السجن تسعة أشهر.
ورغم ظهور ملف الافراج عن الاربعة من عدمها ملتبسا للاوساط السياسية والاعلامية إلا أن هناك شعورا عاما بأن الحكومة ستفرج عنه في الموعد المحدد.
وفي تصريح خاص لـ «البيان» اكتفى الناطق الاعلامي باسم لجنة اهالي الاسرى والمفقودين الاردنيين في السجون الاسرائيلية الدكتور صالح العجلوني بالقول: إن الاهالي ينتظرون ان تفي الحكومة بوعدها بالافراج عنهم يوم 19/8/2008».
كل ما سبق كان بانوراما أردنية خاصة بملف الاسرى الاردنيين الاربعة في السجون الاسرائيلية. أما النهاية فلا أحد يعرف ماهيتها في انتظار صباح يوم العشرين من أغسطس الصباح الذي سيعرف فيه الجميع ما اذا كانت الحكومة افرجت بالفعل عن «الأربعة» أم لا.
لقمان اسكندر


