تمكنت القوات الروسية من دخول عاصمة اوسيتيا الجنوبية بعدما أعلنت جورجيا رسمياً حالة الحرب ضد الإقليم، واحتدمت المعارك بين الطرفين، وفي ذات الوقت اتهمت جورجيا روسيا بغزو أراضيها، وذلك بعدما تمكنت من دخول عاصمة الإقليم، وبذلك أشعلت نار القوقاز.

ومن المتوقع ألا تقف آثار هذه الحرب عند حدود القوقاز فقط ، بل ستترك تداعيات دولية على العلاقات الغربية الروسية، خاصة الأميركية منها. كما ستترك تداعيات إقليمية من بينها الملف النووي الإيراني، والاحتلال الأميركي لأفغانستان والعراق، و الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، واللبناني الإسرائيلي، بل إن دولا تعاني المذلة الأميركية ستجد في الموقف الروسي الجديد مظلة حماية لها. لقد بدأت جورجيا الحرب على أوسيتيا الجنوبية في يوم افتتاح الألعاب الأولمبية الصيفية في العاصمة الصينية بكين 2008. وكأن هناك مؤامرة أميركية أوروبية تستهدف حرمان الصين من تبوؤ صدارة الأحداث الدولية، ومن تدشين نفسها كقوة سياحية وإعلامية عالمية. وفور بدء العمليات صرح رئيس الحكومة الجورجية لادو كوركنيدزه بأن جورجيا تقوم بالعمليات العسكرية في اوسيتيا الجنوبية من أجل إحلال السلام وحماية السكان المدنيين بينما كانت القذائف والصواريخ تنهال على المدنيين لتحصد أرواحهم.

وأضاف كوركنيدزه خلال المؤتمر الصحافي الذي عقد يوم الخميس في السابع من أغسطس أن العمليات العسكرية لن تتوقف إلا بإحلال السلام في المنطقة وضمان الحماية والأمن للسكان المدنيين هذا هو الهدف المنشود من هذه العمليات.

وقال إن جورجيا اضطرت إلى استخدام القوة لإحلال الأمن والنظام في المنطقة، لأن جميع النداءات التي توجه بها الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي إلى وقف إطلاق النار من الجهة المقابلة التي كانت تطلق النار من جانب واحد على القرى الجورجية. بالإضافة إلى تسلل مجموعات كبيرة من المسلحين إلى نفق روكيي الذي يعتبر أحد الأسباب الرئيسية المؤدية إلى زعزعة الوضع في المنطقة. وإن هدف السلطات الجورجية يكمن في عدم تكرار ما حصل في المنطقة، وما يهدد أمن واستقرار السكان بغض النظر عن انتمائهم القومي. جورجيا تؤيد إجراء المفاوضات والحوار وان جميع مقترحات الرئيس الجورجي مازالت قائمة.

أما روسيا فقد أعلنت أن السلطات الجورجية فقدت ثقة المجتمع الدولي بها، بنتيجة تصرفاتها تجاه اوسيتيا الجنوبية، جاء ذلك على لسان مندوب روسيا الدائم في هيئة الأمم المتحدة فيتالي خلال الجلسة الطارئة لمجلس الأمن الدولي التي عقدت بطلب من روسيا لبحث الأزمة الجورجية مع اوسيتيا الجنوبية.

وحسب رئيس الحكومة الروسي فلاديمير بوتين إن الإجراءات العدوانية التي قامت بها جورجيا ضد اوسيتيا الجنوبية ستصعب عودة الاقليم الى جورجيا كما اشترطت روسيا توقيع جورجيا كتابيا على تعهد بان تمتنع عن استخدام القوة العسكرية من الاقليم مستقبلا .

وصدر بيان عن سكرتارية منظمة معاهدة الأمن الجماعي أن القيادة الجورجية قد أقدمت عن قصد على تصعيد التوتر في المنطقة من أجل حل النزاعات بالوسائل العسكرية. وأشير في البيان إلى »أن منطق تطور الأحداث في الأشهر الأخيرة في منطقة اوسيتيا الجنوبية يؤكد الاستنتاج الذي ورد مراراً من قبل بأن القيادة الجورجية التي تحظى بالحماية والدعم المالي والعسكري لبلدان لا تنتمي إلى المنطقة تقوم عن قصد بتصعيد التوتر في الوضع من أجل خلق ظروف مناسبة لحل النزاعين الجورجي الأوسيتي الجنوبي والجورجي الابخازي بالوسائل العكسرية«.

وترى المنظمة أن شن الحرب في يوم بدء الألعاب الأولمبية يعتبر أمرا مريبا. إذ جرت التقاليد أن توقف جميع الحروب في فترة إجراء الألعاب الأولمبية.

ويذكر أن سلاح الجو الجورجي قصف مقر قيادة قوات حفظ السلام الروسية يوم الجمعة الثامن من أغسطس ما أدى إلى وقوع قتلى وجرحى في صفوف الجنود الروس.

ومع تصاعد الأزمة صرح الرئيس الجورجي ميخائيل سكاشفيلي أنه لابد لجورجيا من المفاوضات.

وقال إن القيادة الجورجية مستعدة لمنح اوسيتيا الجنوبية حكما ذاتيا غير محدود. ودعا روسيا الاتحادية لأن تلعب دور الضامن لبقاء اوسيتيا الجنوبية ضمن سيادة جورجيا مع تمتعها بهذا الحكم الذاتي الواسع.

إن الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي ومنذ قدومه للسلطة يدغدغ الحماسة والوطنية ويغذيها بالشعارات الداعية الى ضم اوسيتيا الجنوبية وابخازيا والمناطق الأخرى، كوسيلة لإضفاء زخم على وجوده السياسي في البلاد، حيث مارست جورجيا سياسة الاستفزاز على حلفاء روسيا في منطقتي ابخازيا واوسيتيا الجنوبية.

ومن جهة أخرى أعلنت ابخازيا أنها ستهب لمساعدة اوسيتيا الجنوبية في حالة إقدام جورجيا على شن حرب واسعة النطاق ضدها، وبالفعل توافد المتطوعون على أوسيتيا منذ بدء الحرب. كما اتخذت اجراءات تكفل حماية اراضيها بالاتفاق مع روسيا. إن تضاريس المنطقة الوعرة وصعوبة القيام بعمل عسكري شتاء يقف وراء بدء جورجيا عملياتها الآن.

وكانت جورجيا تأمل امكان قيام روسيا بدور ايجابي وفعال في مسألة حل النزاع الجورجي الأوسيتي و الابخازي. وهذا أمر يندرج ضمن مصالح روسيا نفسها في منطقة القوقاز، لكن السلوك السياسي الجورجي، لم يكن دقيقا في حساباته، فجاءت النتائج مخيبة باحتدام الوضع في جورجيا بسبب عدم حل المشكلة وتعقدها.

فالسلوك السياسي الجورجي تحول الى الريبة والشك بعد التطورات التي جرت في كوسوفو ، فبإعلان استقلال الاقليم في فبراير من جانب واحد، خشيت جورجيا تكرار نفس السيناريو في أوسيتيا، بمساعدة روسيا فالسياسة الواقعية تمضي في طريقها، رغم أن روسيا والعديد من العواصم العالمية وصفت ما حدث بانه خطوة خطيرة باتجاه الحط من شأن القانون الدولي وسيادة الموقف العشوائي لدى معالجة المشاكل العالمية، الا ان التطورات أقنعت بعض أطراف في القيادة الروسية أن لها الحق بعد إعلان استقلال كوسوفو في القيام بالخطوة ذاتها حيال ابخازيا واوسيتيا الجنوبية.

و في الكرملين اختارت روسيا الاتحادية الخط الذي يعتبر بمثابة الحل الوسط. وكان لابد أن تعطي رد فعلها على ما حدث في البلقان. لكنها لم ترغب في استثارة الخلافات ومن أجل ذلك لم تقدم على الاعتراف باوسيتيا الجنوبية وابخازيا.

روسيا كانت مستعدة لمواصلة الاعتراف لاحقاً بوحدة أراضي جورجيا بغية عدم تأزم الوضع الصعب أصلاً، لكنها تقيم في الوقت ذاته العلاقات الكاملة مع الجمهوريتين اللتين كانتا تتمتعان بالحكم الذاتي مسبقاً وهما ابخازيا واوسيتيا. وقد تجلى هذا الموقف في خروج روسيا من نظام العقوبات على ابخازيا، ففي أبريل أصدر الرئيس الروسي مرسوما بتقديم المساعدة المادية الملموسة إلى أبناء ابخازيا واوسيتيا الجنوبية.

وتدرك جورجيا أن آفاق استعادة أراضي البلاد أصبحت غامضة أكثر بعد التورط في الحرب. وإذا ما بقيت الأمور على حالها، وتم قبول الأمر الواقع ، فلن يجري الحديث عن عودة الأوضاع إلى حالها إلا بعد فترة طويلة تهدأ فيها الأحداث الساخنة ، وربما يكون ذلك بعد عام بعد عام أو عامين، سيبعد فيها الاحتمال النظري لإعادة توحيد الأراضي، بل ربما يغدو شيئا لا معنى له. ولكن ستصبح ابخازيا عنصراً من عناصر المجمع الاقتصادي الضخم لما يسمى أولمبياد سوتشي. كما أن اوسيتيا الجنوبية تعتبر أيضاً منطقة تتمتع بالدعم المالي والاقتصادي من قبل روسيا الاتحادية.

وحسب المنطق فان الضعف الذي أبداه الحلفاء في أبريل الماضي لم يساعد على المصادقة على انضمام جورجيا وأوكرانيا لحلف الناتو، خشية أن دفع ذلك روسيا إلى القيام بخطوات فعالة أكثر لضم الأراضي المتنازع عليها.

أما وجهة النظر الروسية فهي على النقيض من ذلك تماماً فكلما اقترب موعد تغير وضع جورجيا وعلاقاتها مع الناتو تكون خطوات روسيا أكثر حزماً في مجال الاعتراف بوحدة الأراضي المذكورة التي لا تسيطر عليها جورجيا. لأن أي التزامات شكلية سيتخذها حلف الناتو يمكن أن تعتبرها جورجيا بمثابة فرصة لحل النزاعين باستخدام القوة العسكرية.

وفي الأشهر الأخيرة مارست الولايات المتحدة دوراً خاصاً وهو في الأساس يزعزع الوضع في منطقة القوقاز. لأن إدارة بوش بحاجة إلى تحقيق نجاحات دولية قبل انتهاء ولايتها ، وإلا فستكون تركتها على الصعيد العالمي ستتألف من سلسلة من الإخفاقات.

ولهذا اشتدت الضغوط على الحلفاء الأوروبيين الذين يترددون في قبول انضمام جورجيا وأوكرانيا، دون وقف الدعم إلى جورجيا بل استمر أكثر من السابق. وقد دلت على ذلك ضمناً زيارة وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس إلى جورجيا مؤخراً . أما جورجيا فإنها تنظر إلى موقف واشنطن الصريح كونه من المسوغات لتقوم بأفعال حازمة أكثر.

أغلب الظن أن ذروة التوتر قد حدثت بضغوط أميركية فإدارة الرئيس الأميركي ستقوم في ديسمبر المقبل بآخر محاولة للحصول على قرار من حلف الناتو بشأن ضم جورجيا لعضويته. وقبيل ذلك سيزداد النشاط السياسي بقوة تجاه منطقة القوقاز، لكن الحرب قد وقعت وكل الاحتمالات مفتوحة بين جورجيا وروسيا خلال الأيام والشهور المقبلة، وهو ما لم يتحسب له الغرب، وان كان يتمناه كي يختبر قوة روسيا ، أما وقد ردت روسيا بقوة فان كل الأوراق قد اختلطت وتشابكت ، وتتجه ربما في غير صالح الغرب، وجورجيا على وجه الخصوص.

إضاءة

يجب على جورجيا وروسيا القيام بأفعال حاسمة من أجل تغيير اتجاه تطور الأحداث. ويشمل ذلك طرح المبادرات الدبلوماسية وممارسة الضغوط العسكرية، وتهتم جورجيا خاصة بمحاولة جذب انتباه الحلفاء في الغرب، وتعمل على إبقاء حالة التوتر وتشديدها.

وتعتقد القيادة الجورجية أن ذلك يحقق لها التقارب من الناتو ومن ثم كسب عضويته، كما يمكن أن يؤدي ذلك أيضاً إلى ضمان وحدة أراضي البلاد.

د. معمر الفار