حميد المري شخصية عامة ومعروفة، لكن من يجالسه ويقترب أكثر من سيرته الحياتية والمهنية يكتشف كنوزا من المعلومات والصور القديمة وكم من الهوايات والمهن التي يجيدها بل ويمارسها في بيته بالفعل، غير أن طموحاته الكبيرة وقدرته على التحدي سمتان بارزتان في شخصيته تضاف إليهما عطاءاته المهنية الجليلة دونما ضجة أو تباه بالإنجازات.

فعندما عاد من بريطانيا حاملا الماجستير في إدارة الأعمال عام 1984، وجد إعلانا عن وظيفة بتخصص في الإدارة لمشروع المقصب الآلي في بلدية دبي، وفوجئ القائمون على المشروع بأنه المتقدم الوحيد للوظيفة على خلفية مفهوم الذبح والسلخ المنفر بالنسبة للباحثين عن عمل، لكنه قبل التحدي بتواضع كمتابع ومنسق ومشارك في تأسيس مقاصب دبي، ومع أنه الآن يبني ويؤسس في مجال آخر كمدير لإدارة النقليات بالبلدية. إلا أنه وبنفس القدر من التواضع وبحب لتجربته الناجحة السابقة، نزل عند رغبتنا في الحديث عن تاريخ المسالخ التقليدية القديمة ومراحل تطورها على يديه، لم يكن أمامه أرشيف معلومات ورقي يعود إليه، بل كان عارفا بالتفاصيل الدقيقة لكل كبيرة وصغيرة في المقاصب وما زال يتذكرها كجزء من تجربة عايشها بمحبة وإخلاص كبيرين، يقول: بدأت دراسة مشروع المقاصب في نهاية 1985.

وكنت واحدا من العاملين فيه كمنسق، وشملت الدراسة عدد الصالات والمعدات الفولاذية المطلوبة ومواصفات وشروط البناء والجدران المعدة لامتصاص البكتيريا والأرضية الخشنة والمرافق، كذلك دراسة الأنظمة الإدارية والمالية وجلب القصابين من سوريا وتركيا والأطباء البيطريين من بولندا، وكان التحدي الأكبر أن يفتتح المشروع بمقصب القصيص في الموعد المحدد وهو 11 مارس 1989 وهذا ما حدث بالفعل. لكن خلال فترة دراسة المشروع عملنا على تطوير المسالخ التي كانت تعمل قبل ذلك من دون ضوابط وبالطريقة التقليدية، كان هناك مسلخ في منطقة الشندغة ببر دبي وآخر في سوق السمك بديرة يتبعان بلدية دبي دون تحصيل رسوم عليهما، وكانت الجلود تباع لتاجر بعينه دون رقابة، فنظمنا الأمر.

كما قمنا برفع المستوى الصحي في المسلخين وطبقت بعض المعايير الواردة في المشروع الجديد، وفي نفس الوقت دشنا حملة إعلانية لتهيئة الجمهور بالنظام المستحدث في المقاصب الآلية، وقبل انطلاق المشروع واجهتنا بعض المشاكل مثل تردد الجمهور بسبب تشككهم في عملية الذبح. فشكلنا لجنة من الأوقاف أصدرت فتوى بشرعية الذبح في المقاصب على الطريقة الإسلامية، ثم بدأ العمل بمقصب القصيص بخمسة وعشرين موظفا بين عامل وقصاب وإداري وصلوا بعد ذلك إلى خمسين موظفا، وفي عام 1990 افتتح مقصب بر دبي و1995 مقصب حتا، وبالطبع يعتبر مقصب القصيص هو الأكبر سعة والأكثر في المرافق باعتباره النواة الرئيسية للمشروع لخدمة الجمهور والتجار معا. وتستند مقاصب دبي لقوانين وتعليمات صارمة مثل إعدام الحيوان المريض إما إعداما كليا أو جزئيا باستئصال الجزء المريض، وتناثرت الشائعات بين الناس بأن المقصب يسرق اللحوم ففكرت بصناعة أكياس رسمنا عليها جمجمة وعلامة إكس ثم وضعنا فيها اللحوم التالفة وأعطيناها لهم ليصدقوا عدم صلاحيتها.

وبالفعل نجحت الفكرة، وعودة إلى دراسة المشروع نجد المقاصب مكونة من صالتين واحدة لذبح الأغنام والأخرى لذبح الأبقار والجمال، وتمر الذبيحة آليا على مجموعة من العاملين كل في تخصصه ابتداء من الذبح ومرورا بالسلخ وانتهاء بالتقطيع.

وتعتبر السلامة الصحية مهمة للغاية في جميع المراحل، فعند استلام الحيوان يتم الكشف عليه وكذلك بعد الذبح لأن هناك أمراضا تظهر فقط أثناء عملية السلخ، ويخضع العاملون لكشف دوري بما في ذلك بعد عودتهم من الإجازات السنوية، كما يأخذ مختبر الصحة العامة عينات كل يوم من أيدي العاملين والجدران والأرضيات والأسطح والماء المستخدم في التنظيف ويعطينا النتيجة خلال نصف ساعة عن وجود نسبة بكتيريا من عدمه، إضافة إلى أن جميع جوانب المقصب من الداخل بما في ذلك العاملون وملابسهم والأدوات المستخدمة تخضع لعملية تعقيم يومي.

وتوجد بالمقصب خمسة برادات سعة الواحد 300 ذبيحة وتستعمل لخدمة التجار مجانا لأن المستهلك العادي يأخذ ذبيحته في نفس الوقت وخلال عشرين دقيقة فقط، وتحفظ اللحوم لمدة 18 ساعة بدرجة من أربع إلى سبع في الحالات العادية وبدرجة 20 تحت الصفر في حالة التجميد، وبالمناسبة وعلى غير ما يعتقد الناس بأفضلية الطازج فإن تجميد اللحوم يحفظ القيمة الغذائية ومفيد أكثر.

بعد ذلك تأتي عملية التوزيع ولدى المقصب خمس سيارات مجهزة سعة الواحدة 250 ذبيحة، أما الحظائر فهي اثنتان واحدة للأغنام وأخرى للأبقار والجمال، وهناك أيضا مبنى المرافق الذي يضم مسجدا ومغسلة لملابس العمال وغرفة لتبديل الملابس ودورات مياه وصالة اجتماعات، كما يوجد مبنى آخر يضم ورشة لتصنيع قطع الغيار ومخزنا لها ومكاتب للمهندسين وصالة للطعام.

وفي مبنى مجاور يوجد مصنع السماد والدهون الحيوانية ومبنى يضم مكاتب الإدارة ومخزنا للمواد الاستهلاكية وورشة لتصنيع الأجهزة ومحطة معالجة المخلفات، وأضيف مؤخرا ملحمة للتقطيع والفرم كخدمة للجمهور والتجار في الوقت نفسه، وبالمناسبة فإن فئة التجار تشمل شركات التصدير والفنادق والمطاعم والملاحم والمطابخ الشعبية، ونلمس من المرافق المتعددة للمقصب أن الأمر يتعدى بكثير عملية الذبح ويتجاوزها للاستفادة من كل أجزاء الذبيحة.

بما في ذلك الفضلات والمخلفات والدماء واللحوم المعدومة والعظام، فكل ذلك يدخل مصنع السماد ويتم ضخها لمدة ثلاث ساعات على درجة 920، ثم تحول بعد ذلك إلى جهاز الطرد الحراري الذي يفصل الدهون عن السماد، حيث يعبأ في أكياس ويستخدم كسماد للزراعة أو علف للطيور بعد إضافة الذرة المطحونة، وهكذا فإن الشيء الوحيد غير المستغل من الحيوان هو صوته، وعلى هامش أي مقصب جاد يمكن إنشاء عشرين مصنعا، فالدماء تدخل في صناعة رغوة إطفاء الحرائق، والدهون تدخل في صناعة المتفجرات ومستحضرات التجميل والصابون.

وبما أننا ذكرنا ورشة تصنيع قطع الغيار من بين مرافق المقصب، فيجب أن نذكر فائدته حيث صنعنا فيه جهاز سلخ في عام 1996 بعد أن تكررت أعطال الجهاز الكهربائي، وقمت أنا شخصيا بعملية التصميم، وفضلت أن يعمل الجهاز الجديد بالطريقة الهيدروليكية، وبالفعل نجحنا في إنجاز الهدف بعد ثمانية أشهر من انطلاق الفكرة وحتى مرحلة التشغيل.

وأطلقنا على الجهاز اسم «ميث 1» على اسم ابنتي، وها هو يعمل حتى الآن بصورة ممتازة، بل إن عمان طلبت منا جهازا وكذلك الفجيرة بعد أن أنتجنا خمسة أجهزة من نفس النوع، وتكمن المفارقة في أن ثمن الجهاز الأصلي 200 ألف درهم في حين بلغت تكلفة جهازنا 25 ألف درهم فقط، علاوة على مرونته وسهولة صيانته وفكه وتركيبه وتشغيله.

وانطلاقا مما ذكرته عن مقاصب دبي فأظن أنني لست مجاملا إذا قلت انها الأفضل على مستوى المنطقة بل وعلى مستوى العالم، بدليل الوفود الأوروبية والعربية التي كثيرا ما تزورنا للاطلاع والاستفادة من تجربتنا، وفي المقابل فقد زرنا بدورنا العديد من الدول الغربية منها اسبانيا وبريطانيا وألمانيا وتركيا وحتى أميركا، وشاهدنا ما عندهم واستفدنا من الأخطاء، وبناء على تلك الزيارات أقول اننا ضمن أفضل الدول في هذا المجال.

إضاءة

درس حميد المري الثانوية العامة في بريطانيا وأكمل دراسته الجامعية متخصصاً في إدارة الأعمال إلى أن حصل على الماجستير، عاد إلى البلاد عام 1984 بالتزامن مع بزوغ فكرة مشروع مقاصب دبي، فانضم بوظيفة منسق للمشروع، ثم تسلم إدارة المقاصب حتى 1997 ثم إدارة الأسواق والمقاصب إلى 2005، ثم انتقل للعمل مديرا للموارد البشرية، ويعمل الآن مديراً لإدارة النقليات ببلدية دبي.

عز الدين الأسواني