الاستقالة المعلنة لرئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت، تخضع ظاهريا لتهمة الفساد، الا أنها في الجوهر تأتي امتدادا لتداعيات هزيمة اسرائيل أمام حزب الله في حرب يوليو 2006 ، ولذا فان الاستقالة لاتعبر عن ازمة أولمرت منفردا، بل هي انعكاس لأزمة عنيفة تجتاح المجتمع الاسرائيلي، وتعكس نفسها في صراعات داخلية في حزب كاديما الحاكم، وبينية أي بينه وبين الأحزاب الأخرى المتنافسة معه في الساحة.
إن أزمة اولمرت الحقيقية بدأت منذ توليه رئاسة كاديما، اذ أتت به الأقدار بعد شخصية قوية بوزن ارييل شارون، من دون أن يكون مؤهلا للعب هذا الدور، فهو يفتقد -عمليا- بالمقارنة مع سلفه لمهارات القيادة ، خاصة ان الحزب الذي يرأسه تمحور منذ بدايته حول شخصية شارون، وليس حول برنامج واضح ومحدد كبقية الأحزاب. وما أن اختفت شخصية المؤسس، حتى بدأ الحزب يعاني من فراغ، لم يستطع أولمرت تعويضه، بل ان التماسك الظاهري حوله لم يكن الا وفاء لذاك المؤسس، وخشية انفراط مبكر يطيح بمراكز الجميع. ولقد ظهر عجز أولمرت جليا في حرب يوليو 2006 فهو حسب الانتقادات التي وجهت اليه، لم يحسن اتخاذ القرار الصحيح بشأن الحرب، وأظهر استعجالا في الاقدام عليها. كما لم يحسن ادارتها مع الطاقم الوزاري المعاون له بمن فيهم وزير الدفاع عمير بيرتس ورئيس الأركان دان حالوتس.
وكانت هزيمة يوليو قد مثلت صدمة مروعة للمجتمع الاسرائيلي، حيث وجد كل فرد فيه نفسه وبيته في قلب المعركة، لأول مرة منذ قيام اسرائيل قبل ستين عاما. فالمعركة لم تكن في الجبهة فقط، ولم تكن كغيرها بين جيشين ، وانما صارت بين مجتمعين. والفضل في ذلك كان لصواريخ حزب الله التي ضربت العمق الاسرائيلي. الشيء الوحيد الذي يحسب لأولمرت سياسيا هو قدرته على المناورة. وهي التي مكنته من الصمود في وجه منتقديه لأكثر من عامين. فمنذ انتهاء الحرب رفض تشكيل لجنة تحقيق عامة حول أسباب هزيمة يوليو 2006, واكتفى بتعيين لجنة خاصة برئاسة القاضي الياهو فينوجراد. ورغم أن نتائج اللجنة حملته المسؤولية ضمنا ، الا أنه رفض الاستقالة استجابة لمطالب منتقديه. وكان اولمرت يعمد الى الهرب خارجيا كلما اشتدت الضغوط الداخلية عليه، فهو حينا يصدر الأزمة الى الأراضي الفلسطينية عبر ارتكاب المجازر وتشديد الحصار، وحينا آخر يقوم بالتصعيد ضد سوريا بقصف أراضيها تحت ذريعة امتلاك برنامج نووي، أو يصعد ضد ايران بالتهديد بقصف منشآتها النووية ، وفي آخر مناوراته هرب باتجاه مائدة المفاوضات نحو سوريا ولبنان.
ولم يكن صمود أولمرت خلال العامين الماضيين الا في سياق التماسك الداخلي لكاديما، ومساندة أجهزة الدولة له، خاصة جهازي (الشاباك) و(الموساد)، وكذلك مساندة واشنطن له مكافأة على موقفه من شن حرب يوليو2006 بتحريض منها، وحرصا على استقرار الأوضاع داخل اسرائيل، اذا مانشبت حرب بين واشنطن وايران ، كما كان مخططا، لكن كل ذلك تغير، ولم تكن المتغيرات في صالح أولمرت. وكان ملفا المفاوضات مع سوريا ، وصفقة تبادل الاسرى مع حزب الله، هما المحطة الاخيرة في الصدام بينه وبين منتقديه في الحزب والحكومة ، خاصة جهازي الشاباك والموساد، اللذين قررا الاصطدام به.
وفي الفترة الأخيرة تعرض أولمرت لانتقاد عنيف من جانب تسيبي ليفني وزيرة الخارجية، ففي اجتماع عقد مؤخرا لمجلس الوزراء الاسرائيلي، شنت ليفني هجوما عنيفا على اسلوب أولمرت في ادارة المفاوضات مع سوريا، واتهمته بالتقصير وعدم الحفاظ على أمن وسيادة اسرائيل، كما أعلنت رفضها اعادة الجولان كاملة الى سوريا. مما حدا باولمرت الى توبيخها امام كاميرات التلفزيون خلال الاجتماع فغادرت محتجة.
وكان موقف ليفني من أولمرت ينبع من دافعين:
الأول : طموح ليفني الى اطاحة أولمرت لخلافته في رئاسة كاديما ومجلس الوزراء.
الثاني: ارتباط ليفني بجهاز الموساد الاسرائيلي، حيث خدمت فيه لفترة من حياتها المهنية. وكان موقفها من أولمرت أقرب ما يكون انعكاسا لموقف الجهاز.
وكانت صفقة تبادل الأسرى مع حزب الله، هي الشعرة الأخيرة التي انقطعت بين أولمرت والأجهزة الأمنية . وكان أولمرت قد اصطدم برفض قاطع من جهازي الشاباك والموساد ، فقد رفض رئيسا الجهازين بشدة خلال اجتماع مجلس الوزراء (يوم الاحد 29-6-2008) اتمام صفقة الأسرى، لأن ذلك يعزز موقف حزب الله لبنانيا وعربيا، إلا أن أولمرت اصر عليها، واستطاع تمريرها باغلبية18 وزيرا من اجمالي 25 وزيرا، رغبة منه في تعزيز موقفه الداخلي. وكي لا يتمكن أولمرت من تحقيق هدفه بدأت حملة اعلامية وسياسية تشكك في جدوى الصفقة بايعاز من الرافضين لها .
ولعل ما حفز الأجهزة الأمنية ضد أولمرت، هو أنها ارادت اخفاء تقصيرها الاستخباري والمعلوماتي في تقديم معلومات صادقة عن وضع الجنديين الاسرائيليين الأسيرين لدى حزب الله. ومن ثم بادرت الى معاقبة اولمرت كي لا تنشط الذاكرة الاسرائيلية أيضا باتجاه الابحار في تداعيات فشلها المعلوماتي ابان حرب يوليو 2006.
ولهذا نشطت الشرطة الاسرائيلية في اعادة قضية الفساد المتهم فيها إلى الأضواء، فاعادت مداهمته واستجوابه وسط اهتمام اعلامي واسع ، بل ان الشرطة تعمدت فضحه وتجريسه بأن كذبت ادعاءاته بشأن الأموال التي حصل عليها من المليونير الاميركي موريس تالانسكي(150 ألف دولار)، حيث كشفت أنها لم تكن لتمويل حملاته الانتخابية كما يزعم، وانما استغلها من اجل رفاهيته الشخصية، مثل السفر الى الخارج و الاقامة في الفنادق وشراء أفخر أنواع السجائر. وهنا يكون الفساد شخصيا وليس من اجل خدمة اسرائيل.
وهو ما كان يمكن التغاضي عنه مثلما حدث مع أستاذه شارون، حينما كان في السلطة، فشارون كان فاسدا، لكنه كان ايضا خادما وفيا لمصالح اسرائيل ، أما اولمرت فان عجزه فضح فساده. ولم تكتف الشرطة بذلك، بل سربت الى الصحافة النصوص الكاملة للتحقيقات التي أجريت معه امعانا في تجريسه واذلاله ، وهو ما شكا منه أولمرت نفسه بقوله انهم يحاولون تشويهي وتحطيمي.
وكانت الشرطة قد شكت من وضع عراقيل شديدة لمنعها من استجوابه ، حتى أن محققا قال لقد استجوبنا رؤساء وزارات ووزراء من قبل، لكن لم نجابه بمثل هذه الصعوبات التي نواجهها مع أولمرت . وهكذا كان الأمر بين الطرفين أشبه بالتحدي.
وأمام هذه العواصف السياسية والقانونية حاول أولمرت انقاذ نفسه بمناورة جديدة عبر التشدد تجاه سوريا ولبنان وفلسطين، ففيما يتعلق بسوريا وجه اليها تحذيرا بضرورة التزام الجدية في المفاوضات الجارية. أما على الصعيد اللبناني فتم تكثيف خروقات الطيران فوق الأجواء اللبنانية في محاولة للايحاء بأن صفقة الأسرى تمت من موقف قوة اسرائيلي وليس موقف ضعف، وهذه الخروقات ووجهت بتحذير صارم من حزب الله الى اسرائيل.
وعلى الصعيد الفلسطيني توجه اولمرت الى تسويف المفاوضات بغطاء اميركي في محاولة من واشنطن لانقاذه داخليا. كما تعمد - بغطاء اميركي أيضا- التوجه نحو تكثيف الاستيطان في القدس، وذلك لتذكير الاسرائيليين بدوره في تهويد المدينة المقدسة منذ كان عمدتها، ولدحض اتهام الفساد، ولتغليب صدقية ادعاءاته بأن هذه الأموال كانت في اطار دوره وسياساته من اجل القدس. كما مثلت خطوة الاستيطان رسالة قوية الى الاسرائيليين بأنه لن يفرط في المدينة المقدسة ، فهاهو يهودها بينما يفاوض الفلسطينيين ، مما يكذب مزاعم منتقديه بشأن تهاونه في حماية ( أرض اسرائيل).
هذه الرسائل التي أرادها أولمرت، لم تصل الى من أراد، فالشرطة ومن ورائها( من الأجهزة) كانوا أسبق في اجهاض مساعيه من داخل كاديما ومن خارجه. ولم يجد أولمرت أمام تصاعد الضغوط حوله من كل جانب الا اعلان عزمه الاستقالة اعتبارا من السابع عشر من سبتمبر المقبل.
وبعد خطوة الاستقالة نشطت بورصة التكهنات حول من يخلفه في رئاسة الحزب والوزارة، ففي داخل كاديما يدور الصراع بين وزيرة الخارجية ليفني وبين وزير النقل شاؤول موفاز، وفي خارج كاديما تدور التكهنات حول بنيامين نيتانياهو( من الليكود) وايهود باراك (من العمل).
في داخل كاديما سوف تجري الانتخابات على رئاسة الحزب تمهيدا لشغل رئاسة الوزراء ، وتتجه التكهنات الى ان هذه الخطوة سوف يعقبها الدعوة الى انتخابات عامة ، وهو ما يجعل الصورة غامضة الى حد كبير حول شخصية رئيس الوزراء القادم.
وهذا الغموض يعقد الصورة ازاء كثير من الملفات المعلقة على صعيد تحركات السلام الجارية مع سوريا من ناحية، ومع السلطة الفلسطينية من ناحية ثانية، ومع حركة حماس من ناحية ثالثة بشأن الجندي جلعاد شاليط وبشأن التهدئة، كذلك العلاقة مع لبنان، خاصة فيما يتعلق بسلاح حزب الله، وعلى ضوء الدعوة الأميركية الاسرائيلية بالتفاوض حول مزارع شبعا.
وعلى الرغم من عدم جدية اسرائيل خلال الفترة الماضية بشأن هذه الملفات، الا أن رئيس الوزراء القادم سيجد نفسه أمام تركة ثقيلة (بالمفهوم الاسرائيلي)، فجميعها تحتاج إلى قرارات باتة وواضحة. ومما لاشك فيه أن هذا القادم سيبدي قدرا كبيرا من التشدد تجاه هذه الملفات ، حتى ولو على سبيل اظهار اختلافه مع نهج أولمرت ، ولذا فان موقف الأطراف العربية المتفاوضة سلما، وخاصة السلطة الفلسطينية، ستجد كثيرا من العقبات التي يصعب تجاوزها مع اسرائيل، لكن كلا من حزب الله وحركة حماس سوف يكونان في موقع افضل لما لديهم من اوراق ضغط تتمتع بدعم اقليمي.
وأيا كان القادم من هؤلاء المرشحين الأربعة، فان الأطراف العربية المتعاملة مع إسرائيل، لن تعدم السبل، فقد سبق لها ان خبرتهم جميعا، وعرفت مكامن قوتهم وضعفهم . وأيا كان القادم الى رئاسة وزراء اسرائيل فانه لن يستطيع القفز فوق النتائج والتداعيات التي تتوالد عن هزيمة 2006, التي لايزال المجتمع الاسرائيلي عاجزا حتى الآن عن تخطيها عسكريا وسياسيا ونفسيا، وهو ما قد يحتاج من هذا القادم اشعال مغامرة جديدة في المنطقة، تقود إسرائيل الى استرداد ذاتها المتشظية.
إضاءة
استقالة ايهود أولمرت من رئاسة الوزراء في اسرائيل تشكل الضلع الثالث في سلم انهيار القيادات المسؤولة عن هزيمة يوليو 2006. بدأ الانهيار بالاطاحة برئيس الأركان دان حالوتس الذي كان اسلوب قيادته للمعارك سببا رئيسيا في هزيمة اسرائيل ، ثم جاءت الاطاحة بوزير الحرب عمير بيريتس . وظل أولمرت صامدا حتى سقط أخيرا تحت وطأة الصراعات السياسية والفساد، وبذلك يكون المسؤولون الرئيسيون عن الهزيمة قد دفعوا ثمنها المباشر.
أحمد الكناني


