ما يحدث في كنف المجتمع الاسرائيلي وكيانه العنصري من ارهاصات ولادة حكومة جديدة إثر اعلان ايهود أولمرت رئيس وزرائه عزمه عدم ترشيح نفسه لانتخابات حزب كاديما في سبتمبر المقبل والخروج من الحياة السياسية ، لا يرقى إلى مستوى اعتباره نبأ يستحق النشر والتداول في مختلف وسائل الاعلام في أي بقعة من العالم.

ذلك أن الدولة العبرية ما كان لها أن تقوم وتتطور وتبقى على قيد الحياة وتتمتع بكل هذه القوة والنفوذ وسط حالة عداء ورفض حادة من قبل الجوار لولا حرص شتى القوى والأحزاب والتكتلات السياسية الإسرائيلية على التزامها المطلق والمقدس بالمنطلقات والثوابت التي وضعها الآباء المؤسسون للحركة الصهيونية من هرتزل وبن غوريون إلى باراك وشارون ، تلك الثوابت التي تتصدر قائمتها عقيدة الاحتلال والتوسع والعدوان والضرب بيدمن حديد، حيث لا معنى ولا وجود لعبارات من قبيل السلام والحوار والحق والعدل والمنطق.

ما أن تلفظ أولمرت بتلك الكلمات المشوبة بذل دفين مصدره هذا الانسحاب المخزي من الحياة السياسية تحت ضربات المقاومة اللبنانية والفلسطينية وليس بفعل قضية الفساد المالي المرفوعة ضده في المحاكم الاسرائيلية،حتى تقاطرت أصوات فلسطينية وعربية للتعبير عن ردود أفعال أصحابها على تلك الخطوة الكبيرة،التي تعني المجتمع الإسرائيلي دون غيره،غلب عليها التفاؤل برحيل أول رئيس وزراء اسرائيلي يأتي إلى سدة الحكم من خارج المؤسسة العسكرية.

أقل ما يمكن أن يقال في هذا المقام إن تلك الأصوات لا تحترم ولا تأخذ في الاعتبار الذاكرة الجمعية في فلسطين وجوارها،تلك الذاكرة الندية التي تشي بثبات الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة على تلك المنطلقات وتمسكها بتلك الثوابت التي لم تحد أي منها عنها قيد أنملة.

وراحت تتسابق دوما على تقديم أفضل أوراق اعتماد معمدة بالدم الفلسطيني العربي لدى مجتمع إسرائيلي أجمع هذه المرة على تنحية رئيس وزراء حكومته الحالية ليس لأنه يفتقر إلى أوراق الاعتماد تلك أو بعضا منها،وإنما لأنه فشل في امتحان المقاومة العسير الذي مرغ في التراب أنف القوة العسكرية الأولى في المنطقة وأسقط مقولة «الجيش الذي لا يقهر»، لا أحد في الكيان العنصري يناقش أسباب شن إسرائيل عدوانها على لبنان في يوليو 2006،الجميع يناقش أسباب فشل ذلك العدوان فقط.

تلك رسالة شديدة اللهجة يصعب التصديق بأن أصحاب الأصوات الفلسطينية العربية المراهنة على ذهاب أولمرت ومجيء رئيس وزراء جديد لم يتلقوها ولم يضعوها ضمن أجنداتهم وتوجهاتهم في مرحلة ما بعد أولمرت.

كم مرة يحتاج المرء للدخول في تجربة ما حتى يخلص إلى استنتاجات تتحول إلى معطيات موضوعية ملموسة في حال تكرارها مرة واثنتين وثلاث مرات إلى ما لا نهاية؟ كم مرة يحتاج الفلسطينيون والعرب والعالم أجمع إلى العودة إلى نقطة الصفر في محاولاتهم التوصل إلى تسويات مع الدولة العبرية حتى يدركوا أن هذا الكيان لا يجيد غير لغة القوة؟

من يشك حاليا بأن المسارات التفاوضية التي استهلتها حكومة أولمرت مع كل من الفلسطينيين والسوريين وتفاهماتها مع حماس وحزب الله قد ذهبت أدراج الرياح وأصبحت جزءا من الماضي؟

ثم مع من وقع الفلسطينون على اتفاقات أوسلو وكامب ديفيد 1 وكامب ديفيد 2 وطابا والقاهرة وفينا وأنابوليس؟ هل وقعت تلك الاتفاقيات مع شبح يتقمص شخصية اعتبارية اسمها الدولة العبرية؟

لن تستقيم الأمور في بلدان هذه المنطقة من العالم طالما أن النظام الرسمي العربي يعول على التغيرات الداخلية التي تحصل في دولتين معاديتين،إسرائيل والولايات المتحدة،وطالما هناك أشخاص لا يدركون أو لا يريدون أن يدركوا طبيعة هاتين الدولتين العدوانيتين وطبيعة التحالف الاستراتيجي القائم بينهما.

ولن تشق قضايانا العربية طريقها إلى الحل طالما أننا نسمح بمرور التعابير المخاتلة التي تبدو بوضوح على وجوه المسؤولين الأميركيين والناطقين باسمهم مرور الكرام عندما يعبرون عن اعتقادهم السخيف المنافي لكل الحقائق القائمة على الأرض بامكانية قيام دولة فلسطينية قبل نهاية عام 2008 الجاري.