في الماضي كان الغنى والفقر ينبع من صاحبه، أي أن الغني كان غنيا، لأنه يعمل ويتعب، سواء كان صاحب تجارة أو زراعة أو مراعٍ، وكذلك كان الحال مع الفقير، فهو على فقره لأن هذا من كد يده. هكذا كانت الحياة تسير. الكل يعرف الكل في المجتمع الواحد، وكل يعرف قدره وحقه، وهذا أيضا ما يعرفه الناس. فان أثرى أحد فجأة تساءل الناس حتى عرفوا من أين جاء بماله. كانت الحياة ضيقة والمطالب محدودة، والشفافية هي العنوان.
اليوم ومع تعقد المجتمعات وتطورها، لم يعد الفقر أو الغنى مرتبطا فقط بقيمة العمل أو عائده، وإنما نتيجة لسياسات تفقر أو تغني. وهذه السياسات قد تكون على مستوى الشركة أو الدولة أو التزاما لعلاقات تجاه دول أخرى أو مؤسسات عالمية.
على مستوى الدولة الواحدة تتحدد قيمة العمل بالوضع الاقتصادي السائد فيها، فإذا كانت الدولة متقدمة كان عائد العمل قادرا على تلبية احتياجات صاحبه، وعلى العكس إذا كانت الدولة متخلفة.
كما تخضع حالة الغنى والفقر لسياسات الرواتب والضرائب، ولأجواء العلاقة بين طبقات المجتمع، من يحكم من ولمن. ففي الدول التي يسيطر على قرارها السياسي أصحاب الأعمال تصدر القرارات لهم، ولا يهم ما يحدث لغيرهم منها.
هذا ما نراه في دول كثيرة، تتسع فيها دائرة الفقر، من جراء تلك السياسات. وعادة ما ترتبط هذه الأجواء بإنتاج أشرس أنواع الفساد من أجل حماية المصالح واستمرار المكتسبات، ولو كانت غير مشروعة و تئن معظم المجتمعات النامية من استشراء الفساد المصحوب بالاحتكارات في ظل التحول الإجباري إلى نظام السوق.
كما تتدخل المؤثرات الخارجية في شيوع الإفقار، فالدول المدينة للمؤسسات الدولية تستجيب عادة للوصفات المقدمة إليها من تلك المؤسسات، من دون التوقف لحساب ما ستجلبه على مجتمعها من كوارث، كذلك الأمر في حالة الارتباط باتفاقيات مع دول أخرى في ظل منظومة سياسية أو اقتصادية في إطار توزيع النشاط الاقتصادي.
وهذا ما تحاول الولايات المتحدة تحقيقه من وراء مشروع الشرق الأوسط الكبير، ومن وراء اتفاقيات الكويز مع الدول المتورطة في السلام مع إسرائيل. فالهدف هو تعزيز مكانة إسرائيل وتحويلها إلى قوة اقتصادية متفوقة على جيرانها العرب، من خلال سرقة ثرواتهم الطبيعية وجهدهم.
إننا في عالم صارت فيه علاقات العمل تخضع للاستغلال، في ظل استعمار اقتصادي للشعوب الضعيفة، استعمار يضع عينيه على سرقة ما في باطن الأرض وما في ظاهرها من ثروات وإبداعات بشرية.
وهذا الاستعمار يحرص على تعظيم مكاسبه على حساب الجميع، ومن اجل ذلك لا يترك الدول والمجتمعات على حالها، وإنما يعمد إلى تخريبها من الداخل عبر وسطاء وعملاء سياسيين واقتصاديين، هؤلاء مهمتهم تطويع القرار السياسي والاقتصادي له، فيستفيد الطرفان على حساب بقية المجتمع، ولذا صار مألوفا في عالم اليوم أن تجد في معظم المجتمعات قلة تهيمن وتسيطر، في حين تعيش غالبية أفراد المجتمع في حرمان وفقر مفروض عليها بقوة الأمر الواقع، عبر أجهزة رسمية من داخل الدولة تمت خصخصتها لحساب تلك الأقلية.
إن عالم اليوم بقدر ما قدم من أدوات رفاهية للإنسان، فانه في حقيقة الأمر حرمه من ثمرة كده وتعبه، وتلاعب بالعلاقة الثابتة تاريخيا بين العمل والعائد، فمن كان يعمل كثيرا يربح كثيرا.
أما اليوم فان جملة من السياسات الاقتصادية والمالية يمكنها أن تنهب ثروة إنسان ما في رمشة عين أو شهقة نفس، فارتفاع معدل التضخم يهبط بملايين البشر من خانة الميسورين أو المستورين إلى خانة الجائعين. وقد يحدث ذلك أيضا بفعل انهيار ما في بعض البورصات الدولية أو بفعل انهيار عملات عالمية.
إنسان اليوم صار أقرب إلى سلم الفقر منه إلى سلم الثراء، بفعل التداخلات الاقتصادية العالمية، وينطبق ذلك على مزارع أرز بسيط في الفلبين، مثلما ينطبق على عملاق صناعة السيارات الأميركية شركة جنرال موتورز التي تشكو الآن من تراجع مبيعاتها، وأنها بصدد تقليص أعداد العاملين.
على الرغم من أن أميركا هي أم العولمة، ولكن على نفسها تجني براقش، فمن يطلق العفريت قد لا يستطيع صرفه، إلا أن المحصلة النهائية محزنة لأنها تعني توسيع رقعة الفقر في العالم.
