في بداية الثمانينات وبعد حصوله على الثانوية العامة سافر نوح بوحميد إلى بريطانيا لدراسة اللغة الإنجليزية.
ومع أن السفر كان بهدف التعليم إلا أن بريطانيا مثلت نقطة الانطلاق الحقيقية لرحلات السياحة بالنسبة له، صحيح أنه سافر قبل ذلك مع الأسرة إلى الهند وإيران وبعض دول الخليج، لكنه في تلك الفترة كان صغيرا وبالكاد يذكر بعض المشاهد التي ما زالت عالقة في ذاكرته. خصوصا إيران التي كانت محطة سفر لتلقي والده العلاج فيها، لكن هذه الرحلات زرعت فيه الفضول لمعرفة ثقافات الشعوب وتراثها وحضارتها، وكذلك حب التعارف إلى أصدقاء من جنسيات مختلفة، ولأن بريطانيا هي نافذته الأولى على العالم فقد خصها بوصف شعوره بالانبهار بها آنذاك. يقول: كنت صغيرا حين سافرت إلى بريطانيا وهي أيضا المرة الأولى التي أسافر فيها بمفردي، وكانت فترة الثمانينات قد شابها سفر الشباب إلى بلدان مختلفة.
وخصوصا بانكوك تحت مظلة السياحة، مع أن الاستهتار كان هو طابعها الحقيقي، تلك السفرات وما رافقها من أقاويل كثيرة لم تؤثر في نفسي ولا في تفكير أسرتي التي كانت تشجعنا علي التعليم في أي زمان ومكان. والحق أن السفر إلى بريطانيا كان بالنسبة للكثيرين بمثابة الحلم الذي يصعب تحقيقه، فما بالك بشاب في مقتبل العمر يجد نفسه على أعتاب مدينة الضباب؟، انبهرت بما رأيت، وبمجرد أن وضعت حقائبي في الغرفة نزلت إلى الشوارع أتفحص الوجوه والأمكنة، كان كل شئ مختلفا وجديدا بالنسبة لي، ولهذا مكثت فترة طويلة أبحث وأنقب في عادات وتراث الشعب البريطاني، زرت المتاحف وتابعت العروض المسرحية وتعاطيت مع البشر هناك بانفتاح شديد، فعلى قدر حرصي لمعرفة التراث كنت أسير في هدفي الأول وهو تعلم اللغة الإنجليزية.
وأذكر أنني كنت أمر كل يوم على سيدتين مسنتين تسكنان بالقرب من محل إقامتي وألقي عليهما تحية الصباح ولا يجبن علي، بل كانتا تنظران إلي باستهجان، لم أيأس وظللت لعدة أيام على عادتي إلى أن ردتا التحية ومن ثم تسبقاني في إلقائها، وفي نفس الوقت كنت أسكن مع أسرة مكونة من رجل بريطاني متزوج من امرأة فرنسية، وبهذا تعلمت اللغة على أصولها. لكنني تعلمت أيضا الاعتماد على النفس وكيف أكون عصاميا، وعرفت معنى احترام المواعيد والنظام، هكذا هو الشعب البريطاني، يضع برنامجا صارما لتحركاته اليومية بين العمل والترفيه والأسرة، ولذلك أراهم ناجحين في حياتهم العملية، لذلك ألتمس العذر لمن يرى في طبيعة الشعب البريطاني قسوة وجفاء، فهم أثناء انشغالهم ليس لديهم وقت للثرثرة أو المجاملة، ويجيبك باختصار إن سألته عن شيء.
العمارة التركية
رحلتي التالية كانت إلى تركيا، وفيها استمتعت وتوقفت كثيرا أمام العمارة الإسلامية الرائعة، خصوصا المساجد العملاقة وفي مقدمتها مسجد محمد الفاتح، فهناك الزخارف الفريدة والتصاميم الهندسية السابقة لعصرها والتي تنم عن عظمة رجال ذلك العصر، الشيء الوحيد الذي حز في نفسي هو أن الأتراك استولوا على بعض متعلقات الرسول صلى الله عليه وسلم وكثير من الأشياء النفيسة التي تعود إلى صدر الإسلام ويعرضونها في متاحفهم ومساجدهم.
أما المكان الذي توقفت أمامه باندهاش فهو مضيق البسفور، وهو بحق رائع لا تمل النفس من رؤيته، لكن المؤسف هو معاملة الأتراك للغرباء، ولمست عنهم قسوة التعامل في حدود المصلحة التي ستعود عليهم، قد يفسر ذلك بالاستغلال خصوصا في المواسم السياحية، لكن ما رأيته يعكس معاملة جافة يتطبع بها غالبية الشعب التركي.
أثيوبيا والزهرة الجديدة
في أثيوبيا وجدت بلدا أفريقيا غنيا بطبيعته الخضراء وطقسه الجميل الذي لا يمت للصورة الذهنية عند الناس بأن كل بلدان أفريقيا حارة، وفي أديس أبابا قضيت أجمل أيام حياتي بمرافقة صديق سوداني اسمه سامر وهو من عائلة رفيعة تقيم هناك، وعندما زرت منطقة «أنطو طو» التي كان يقيم فيها ملوك الحبشة الأوائل عرفت لماذا سميت أديس بهذا الاسم وما هو معناها، فقصر الملك كان يطل على سفوح جبلية تكسوها الخضرة طوال العام، وكانت الملكة كثيرا ما تجلس مقابل النافذة تراقب الزهور.
وكلما رأت زهرة جديدة تنبت كانت تقول أديس أبابا، أي زهرة جديدة، فأطلق الملك الاسم على المدينة، غير أن أثيوبيا كحال الدول الأفريقية كانت وما زالت تعاني من الفقر وقلة الإمكانات رغم وجود الموارد التي لا تستغل، والغريب أن هذا الفقر لا ينعكس على الناس في تعاملهم مع بعضهم البعض أو مع الغرباء، فعلاقاتهم مبنية على الاحترام المتبادل ويساعدون الضيوف بل ويكرمونهم رغم الفقر، وأعجبتني عادتهم في تقديم القهوة كطقوس للضيافة مثلما نفعل نحن تماما.
شتان استراليا ونيوزيلندا
في استراليا لم استسغ المكوث طويلا لعدة أسباب، أولها أنني لم أكن مقتنعا بزيارتها لخلوها من العبق التاريخي والتراثي الذي أحبه، وثانيا لكثرة الوجوه العربية التي تصادفك هناك، وأنا بطبعي عندما أسافر أبحث عن الهدوء ورؤية بشر مختلفين في عاداتهم وسلوكياتهم حتى أتعلم وأطلع، أما سبب الزيارة فقد كان نزولا عند رغبة الأولاد.
وأستراليا مشهورة بملاهيها الترفيهية المتنوعة ومحمياتها الطبيعية التي تستهوي الأطفال، وعلى عكس ذلك فقد قضيت فترة جميلة في نيوزيلاند وتعرفت على بعض من فلكلورهم الرائع وبساطتهم في الحياة، كذلك موسيقاهم الشعبية التي تميل إلى الألحان الشجية الحزينة، وعجبت من شعب ينام من الساعة الثامنة مساء كعادة متأصلة عنده، صحيح أن المحلات تظل مفتوحة وكذلك المطاعم والفنادق، لكن معظم الرواد من السائحين وقلة من أهل البلد.
فرنسا والسلوكيات الراقية
بقيت من الدول الأوروبية التي زرتها فرنسا المتأنقة دائما في ثوبها الحضاري والتنويري، مازالت السلوكيات الراقية هي التي تحكم الشارع الفرنسي معاملة ونظاما ونظافة وثقافة، هناك شارع الشانزلزيه بمقاهيه ومحلاته التجارية المتلألئة، وبرج إيفل والمتاحف وأيضا الشواطيء الجميلة، سبعة أيام لا تنسى قضيتها في فرنسا وأتمنى زيارتها مرة أخرى.
أما دول آسيا فقد زرت فقط تايلاند في الفترة الأخيرة، ذهبت إلى بتايا وهالني ما رأيت من تجمع للعرب هناك وخصوصا من دول الخليج، بعضهم مقيم بصفة دائمة وتعلم لغتهم، وهناك مطاعم تحمل أسماء أصحابها الخليجيين، ومع ذلك فإن تايلاند بلد عريق يعتمد على السياحة في المقام الأول، وفيه مقومات حضارية وتراثية وطبيعة وشواطيء جاذبة للسائحين، لكن ينقصها الاهتمام بالمرافق والخدمات في بعض المناطق.
دول الخليج متشابهة
في سفراتي لم يكن للدول العربية نصيب وافر من الزيارات، باستثناء دول الخليج التي زرتها كلها وهي متشابهة تماما في الطقس وفي البيئة الصحراوية وتشترك إلى حد ما في التراث الإنساني والإسلامي وفي العادات والتقاليد، وتتفرد منطقة صلالة في عمان بطقس خاص جدا من بين دول المنطقة حيث الجبال المكسوة بالخضرة والوديان والشلالات المائية التي تنساب من قمم الجبال.
وصلالة بالتحديد أصبحت قبلة السياح الخليجيين لقربها وجمالها وطقسها المعتدل، لكن يبقى الأردن الذي قضيت فيه فترة في طريقي إلى تركيا، زرت البتراء وجرش والعقبة، وخرجت بانطباع جيد عن الشعب الأردني، فما زالت البداوة تهيمن على السلوكيات والمعاملات فيتجلى كرم الضيافة وحسن استقبال الضيوف عندهم، لكن وبحكم المناطق الجبلية الوعرة تبقى مشكلة الطرق المخيفة هاجسا عند السائح.
إضاءة
درس نوح الخدمات المالية والإدارة المصرفية في تقنية دبي، ويحضر الآن دبلوم عالي في الموارد البشرية كجزء من رسالة الماجستير، عمل في شرطة دبي ومنطقة جبل علي وجمارك دبي وإدارة الجنسية والإقامة والآن رئيس شعبة الجودة والدعم في بلدية دبي، وهو سائق راليات مميز حصد الكثير من الجوائز المراكز المتقدمة منها المركز الأول في بطولة رالي الإمارات عام .
عز الدين الأسواني



