دخلت تركيا ، مؤخراً، في مرحلة قد تكون الأشد حرجاً في تاريخ الجمهورية التركية العلمانية التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك في عام 1923 وذلك بعد الدعوى القضائية التي رفعت إلى المحكمة الدستورية مطالبة بحظر حزب العدالة والتنمية، وهو الحزب الحاكم في تركيا الذي وصل إلى الحكم في 2002 وجدد الشعب ثقته به في انتخابات 2007 حيث حصل على 47% من أصوات الناخبين وفاز بـ 60% من مقاعد البرلمان.

غير أن هذه الشعبية العارمة التي يتمتع بها حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا لم تمنع العسكريين من أنصار العلمانية من التشكيك بنوايا الحزب والتهويل من مخاطر سياساته على مستقبل العلمانية ومبادئ الأتاتوركية، وهي مخاوف يفندها الحزب والمراقبون المستقلون الذين يرون أن التغيير الديمقراطي الذي أحدثه الحزب في الحياة السياسية والاقتصادية التركية هو الأفضل منذ قيام الجمهورية.

وقد حقق الحزب بقيادة زعيمه الذي يتمتع بشخصية «كاريزمية» رجب طيب أردوغان الكثير من الإنجازات على الصعيدين الداخلي والخارجي. فعلى الصعيد الداخلي، نجح أردوغان في تعزيز الاقتصاد ورفع مستوى الدخل للمواطن التركي من 3500 دولار إلى 9000 دولار سنوياً خلال السنوات الست منذ وصوله إلى الحكم. وزادت صادرات تركيا من 36 مليار دولار سنويا إلى 110 مليارات سنويا أي ما يعادل ثلاثة أضعاف تقريباً.

وكانت تركيا مدينة للبنك الدولي عندما جاء حزب العدالة والتنمية إلى الحكم بـ 23 مليار دولار، والآن هبط هذا الدين إلى 7 مليارات دولار فقط. هذه الأرقام تشير إلى الإنجازات الاقتصادية الكبيرة التي حققها الحزب خلال فترة حكمه، وهي إنجازات كانت وراء الثقة التي منحه إياها الشعب في انتخابات يوليو 2007.

استطاع أردوغان وحزبه أن يغير من أسلوب التعامل مع القضية الكردية، حيث شهدت فترة حكمه انفتاحاً أكثر على الأكراد واهتماماً أكبر بالاستثمار في تنمية المناطق الكردية التي كانت مهملة طوال السنين السابقة، فقد اعتمد نهجاً يقوم على ضرب قواعد حزب العمال الكردستاني لإضعافه عسكرياً مع التركيز على كسب قلوب وعقول أكراد تركيا من خلال التعامل معهم كمواطنين لهم كامل الحقوق كباقي فئات الشعب التركي.

أما على الصعيد الخارجي، فقد استطاعت تركيا في فترة حكم أردوغان أن تقترب أكثر من موضوع العضوية في الاتحاد الأوروبي وذلك من خلال تبني العديد من الإصلاحات التي كانت مطلوبة من جانب الاتحاد، كما أن دورها الإقليمي في حل الصراعات في المنطقة بات أكثر أهمية من ذي قبل خاصة في ضوء الوساطة التي تقوم بها تركيا بين سوريا وإسرائيل في موضوع السلام وبين إيران والمجموعة الأوروبية وأميركا في الملف النووي الإيراني.

هذه الإنجازات مجتمعة جعلت الاتحاد الأوروبي يعلن صراحة معارضته لأي قرار يؤدي إلى حظر حزب العدالة والتنمية ويحذر من عواقب ذلك القرار في حال صدوره. ولم يكن الموقف الأميركي بعيداً عن الموقف الأوروبي بهذا الخصوص حيث أعلن ماثيو بريزا، نائب مساعد وزيرة الخارجية الأميركية للشؤون الأوروبية والأوروآسيوية إن المستقبل السياسي لتركيا يجب أن يحدده الناخبون وإن حظر الحزب الحاكم لن يكون تطوراً إيجابيا بالنسبة لتركيا. وأضاف بأن صدور قرار بحظر الحزب ستكون له عواقب وخيمة على تركيا.

والسؤال هنا هو ما الذي يستطيع حزب العدالة والتنمية الحاكم أن يفعله في مواجهة التهديد بحظر نشاط الحزب و70 شخصية من قياداته من بينها أردوغان؟ يرى المحللون أن الحزب لديه عدد من الخيارات التي يمكن أن يواجه فيها قرار حله.

أولها تأسيس حزب بديل عن حزب العدالة والتنمية يترأسه أردوغان ويضم نواب حزب العدالة والتنمية الذين لم يشملهم الحظر وهم يشكلون أكثر من نصف عدد نواب البرلمان، وبالتالي يستطيعون تشكيل حكومة جديدة برئاسة أحدهم فيما يُدير أردوغان الحزب والحكومة من وراء الستار. وهناك من يقول إن الحكومة الجديدة ستذهب إلى انتخابات مبكرة أو فرعية بحيث يتاح لأردوغان الترشح بصفة مستقل وبالتالي العودة الى الحلبة السياسية من موقع رئيس الحكومة.

ضرار عمير