لم تنم عيناه منذ زمن بعيد، ورغم ارتفاع وتيرة الحياة، فما زال واقفا بصمته يشاهد ما يجري حوله من تطور عمراني وبشري، ليعيش مراحل تاريخية جديدة لم يعهدها من قبل، ولم تعد عيناه تراقب الثغور وما يحدث من حولها كما السابق، وهو الحارس الأمين، الذي طالما راقب فرحة العائدين من البحر، وعاش فرحة الأطفال بحلول أيام العيد والشتاء.
ورغم مرور السنوات لم يتعب من وقفته التي طالت كثيرا، وهو الشاهد على عصر كان شظف العيش عنوانه، لم يتعب من رواية حكايات صبره وصبر الأهالي لكل من اقترب منه، من اولئك الذين يرمقونه بنظراتهم الحانيه يوميا، وهم الذين جاؤوا ليلتقطوا صور ذكرياتهم بجانبه، وليستمتعوا بحكاياته الشيقه التي تروي تاريخا غارقا في البعد، وحكاية كل الذين مروا عليه او بقربه أثناء سفرهم وتنقلهم بين الإمارات، وحكاية من سكنوا فيه وبقربه يوما ما. كثيرة هي القصص التي تحملها حجارة »برج المربعة« الذي يقف وسط الكورنيش في إمارة عجمان، ليصافح البحر وشمسه في كل صباح يطل على الدنيا، وهو الذي ينتظر هبوط الليل ليسهر مع القمر على العيون الغافيه بالقرب من شواطئ البحر والرمال. هذه هي حكاية ذلك الشامخ الذي إن توغلت في التاريخ لن تجد له سنة محددة، وإن كل ما عرف عنه انه انشئ في ثلاثينيات القرن الماضي، بهدف تأمين أهالي عجمان من المتطفلين والقراصنة، وقد شيد على قاعدة مستطيله الشكل طول إضلاعها 50,4 و6 أمتار، أما ارتفاعه فيصل إلى 112 مترا.
تشير الدلائل التاريخية بأنه برج المربعة في ذلك الوقت لم يكن وحيدا، إنما كان له رفقة موزعين على أماكن عدة في عجمان، وقد احترفوا جميعا مهنة الحراسة وتأمين حدود الإمارة ومناطقها، ولكن للأسف لم يبق من رفاقه إلا هو، فقد قتلهم الهجران والبعد، ليتحولوا إلى مجرد أطلال اذابها الزمن بين رمال الصحراء، بقي هو بفضل العناية التي اولاها له الغيورون على التراث، ليقوموا بترميمه وإصلاحه بعد أن ترك الزمن آثاره عليه، وتوغل فيه الخراب. بني برج المربعة على الطريقة البدائية من الحجارة والجبص على يد السيد احمد خليل الهاشمي احد أبناء عجمان التي كان يحكمها في ذلك الوقت الشيخ راشد بن حميد النعيمي (1928 ـ 1981). حينها كانت عجمان عبارة عن منطقة صغيرة، ولم يكن يوجد في منطقة البرج سوى الحصن الذي يمثل مقر الحاكم، وكان يقع خلف الحصن ساحة كبيرة تسمى »المريحان« يجتمع فيها أهالي عجمان يوم العيد والمناسبات السعيدة، وفي الجهة الأخرى كانت ساحة »نخيل مريم« التي تكثر فيها أشجار النخيل، وكان السكان يستخدمونها للاصطياف.
لم نجد شيئا مكتوبا حول تاريخ هذا البرج، وكل ما وجدناه هو عبارة عن ذكريات ترسخت في داخل العم ابراهيم محمد صالح، مسؤول التراث الشعبي في متحف عجمان الذي حدثنا عنه، فقال: »انشئ هذا البرج قبل نحو 70 عاما بغرض توفير الحماية لسكان عجمان، وكان يعمل فيه رجل يسمى »سعيد الحظيري« وهو من أبناء عجمان. وقد استمر في الخدمة حتى إعلان الاتحاد، حيث توقف الحراس عن عملهم في الأبراج، وأذكر عندما بدأ سعيد في عمله هذا انه كان وحيدا فيه، وما لبث أن سكنت زوجته معه«، ويضيف: »لا يوجد في برج المربعة درج يمكن ساكنه من الصعود على السطح وذلك يعود لأسباب أمنيه ودفاعية، بل كان الحارس يصعد إليه باستخدام الحبال، وكان يستخدمها لرفع الطعام إليه، ولتوفير الماء للحارس فقد تم حفر »طوي« أو بئر بجانب البرج، وذلك حتى لا يترك الحارس مكانه ويتوجه نحو منطقة »بر المياه« (الرميلة حاليا)، حيث يوجد فيها مجموعة من الآبار التي كانت توفر مياه الشرب لأهالي عجمان«.
وبالحديث معه يعود إبراهيم إلى الوراء، فيقول: »في خمسينيات القرن الماضي، كنت أذهب إلى إمارة الشارقة كثيرا لرؤية أخي الذي كان يدير فيها محلا تجاريا صغيرا يقع في شارع البنوك حاليا، واذكر أن المسافة كانت تستغرق معي نحو الساعتين أو اقل وهذا يعتمد على مد وجزر البحر، وأثناء عودتي منها كنت اذهب إلى البرج للاستراحة وشرب القهوة والماء عند سعيد، لقد كان رجلا كريما ومتواضعا للغاية، وطالما فتح مجلسه أمام الجميع، خاصة وانه يقع على الطريق العام، لذلك فقد كان بمثابة محطة لاستراحة الجميع بالإضافة إلى الأمن«.
ويواصل العم إبراهيم حديث ذكرياته فيقول: »لم يكن في تلك الفترة لدينا كهرباء، وبمجرد هبوط الليل تغرق هذه المنطقة بالظلام الدامس، ولذلك فقد كان الحارس يعتمد في رؤيته للأشياء على إناره خفيفة، إلى جانب سلاحه الذي لم يكن يفارقه أبدا، وكان رحمه الله ـ أي سعيد ـ ذا صوت جهور تسمعه من منطقة بعيدة، وتجده يبدأ بالنداء والصراخ كلما شعر بحركة في المنطقة أو رأى قاربا في البحر يتجه نحو الشاطئ«.
ويردف: »في تلك الأيام اذكر أن أهالي عجمان خاصة بعد عودتهم من البحر كانوا يقومون بتجفيف السمك في المنطقة المحيطة بالبرج، وكثيرا ما كان الأهالي يجتمعون في هذه المنطقة وتحديدا على شاطئ البحر ليمارسوا مهنتهم في الصيد«.
وبعد إعلان الاتحاد في العام 1972، هجرت هذه الأبراج ولم تعد تستخدم للحراسة بحكم وجود الشرطة وهذا أدى إلى تهدمها وتدهور حالتها، وهو ما انطبق على هذا البرج، فقد تعرضت بعض أجزائه إلى الهدم، الأمر الذي دعا العم إبراهيم محمد صالح للمبادرة بالطلب من صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي، عضو المجلس الأعلى حاكم إمارة عجمان بضرورة ترميم البرج وإعادته إلى هيئته الأولى، وقد تم له ذلك.
حيث قام بالاتفاق مع المقاول سيف بن سالم الملغوث، ليقوم بترميم البرج وإعادته هيئته الأولى، وبالفعل فقد تم إصلاح أبوابه وبناء أجزائه المتهدمة بذات الطريقة التي بني عليها قديما، بعد أن قام العم إبراهيم بتوفير كل ما يحتاجونه من مواد خام مثل الخشب وسعف النخيل وغيرها، كما تم إيصال الكهرباء إليه، وإضافة درج خشبي له ليتمكن زائره من الصعود إلى سطحه العلوي. وبعد إتمام عملية الترميم تم إغلاقه بهدف حمايته من العبث.
إضاءة
ولد إبراهيم محمد صالح العوضي في إمارة عجمان، ويحسب له تصميم العروض التراثية في متحف عجمان، ويشغل حاليا منصب مسؤول التراث الشعبي في المتحف، ويتمتع بخبرة واسعة في مجال التراث المحلي، والى جانب عمله الرئيسي في المتحف يشغل منصب مدير جمعية الفنون الشعبية بالإمارة عجمان، وقد شارك في العديد من الفعاليات والأنشطة الثقافية ذات الطابع التراثي في عجمان والإمارات الأخرى.
غسان خروب



