لماذا يسعى باراك أوباما، المرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأميركية في نوفمبر المقبل، إلى النأي بنفسه عن أي صلة تربطه بالإسلام والمسلمين؟ ما سر غضب المسلمين من المواقف المعلنة لأوباما؟ ما الذي يريده المسلمون من مرشح الحزب الديمقراطي؟ وإلى أين ستذهب أصوات الناخبين المسلمين في نوفمبر المقبل؟

أسئلة كثيرة أخذت تطرح في الآونة الأخيرة بعد استتباب الأمر لأوباما كمرشح وحيد للحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية بعد انسحاب منافسته هيلاري كلينتون في يونيو الماضي، وبعد الجولة الأخيرة التي قام بها في الشرق الأوسط وظهوره معتمراً القلنسوة اليهودية أمام حائط البراق في القدس في مشهد استفز مشاعر المسلمين.

على الرغم من أن كثيرا من المسلمين في أميركا يبدون ارتياحهم لفوز السناتور أوباما بترشيح الحزب الديمقراطي ولإمكانية حصوله على منصب الرئاسة، إلا أن من الواضح أن حملة المرشح المولود لأب مسلم تبدي حذرا واضحا من إظهار أي صورة من صور التقارب بينها وبين أفراد الجالية المسلمة ومؤسساتها. يقول بعض المسلمين إنهم يتفهمون ذلك الحذر وأسبابه التي باتت معروفة.

حيث إن جميع خصوم الرجل يحاولون استغلال ما بات يعرف بـ «الإسلاموفوبيا» أو الخوف من الإسلام لبث الرعب في أوساط الشعب الأميركي من خلال التأكيد، ليس فقط على أصوله الإسلامية، بل الادعاء بأنه مسلم. غير أن أعداداً متزايدة من المسلمين ترى أن الحملة تبالغ في تصرفاتها وقراراتها إلى حدٍ كبير في هذا المجال، إلى درجة أن إدارة الحملة قامت، مؤخراً، بمنع فتاتين مسلمتين من الظهور في خلفية المشهد التلفزيوني في مناسبة انتخابية للمرشح الديمقراطي في مدينة ديترويت.

وكان من الجلي أن القرار المذكور اتخذ لأن الفتاتين ترتديان الزي الإسلامي. وأصدرت مؤسسات الجالية المسلمة في أميركا، مؤخراً، بيانا انتقدت فيه أوباما والقائمين على حملته الانتخابية بشدة. وذكر البيان أن أوباما يسارع إلى زيارة كل كنيسة أو كنيس يهودي في طريقه، في حين أنه تجنب بشكل واضح زيارة أي مسجد أو مركز إسلامي حتى الآن ، كما أنه تجنب لقاء قيادات الجالية، رغم الدعوات الكثيرة التي وُجهت إليه للزيارة واللقاء.

خيبة أمل واضحة

ويعرب مسلمو أميركا أيضا عن خيبة أملهم بل وعن غضبهم إزاء المعاملة التي يلقونها من اوباما والمسؤولين عن حملته الرئاسية. كيث إليسون، اول مسلم ينتخب عضوا في الكونجرس الأميركي يروي كيف انه حاول إلقاء خطبة لحشد التأييد للمرشح الديمقراطي في مسجد سيدار رابيدس ، احد اعرق المساجد في الولايات المتحدة، ولكنه تلقى رسالة عاجلة من مستشاري اوباما يطلبون فيها إلغاء الخطبة لأنها قد تثير جدل اوباما في غنى عنه.

وشرح هؤلاء المستشارون للنائب إليسون فيما بعد كيف أن اوباما لا يرغب في تشتيت رسالته المركزة تركيزا ضيقا. أما عضو الكونجرس الديمقراطي إليسون فقد عبر عن إحباطه بالقول: هذه حملة تقوم على رسالة الأمل، وعلى التغيير. ولكن مسلمي أميركا ليسوا، على ما يبدو، جزءا من هذه الرسالة بعد.

مساعدو أوباما ينفون انه ينأى بنفسه عن أنصاره من المسلمين، ويشيرون إلى تصريحات عديدة له دعا فيها إلى إشراك المسلمين الأميركيين في المجتمع. ويشير هؤلاء أيضا إلى مناصرة اوباما لعضو الكونجرس المسلم الثاني وهو اندريه كارسون. لقد أسهم اوباما شخصيا في الحملة الانتخابية لكارسون وساعده في تحقيق الفوز بعضوية مجلس النواب. وفي مايو الماضي عقد اوباما اجتماعا قصيرا وخاصا مع إمام مسجد منطقة ديربورن التي يعيش فيها اكبر تجمع للعرب الأميركيين.

ولكن مستشاري حملة اوباما يسلمون بأنهم يتعاملون مع الفئات الدينية في أميركا من منطلق أن هذه الفئات تمثل فيما بينها قطاعا من قطاعات المجتمع. لكن التوتر في العلاقة بين اوباما والمسلمين في أميركا يشكل احد التحديات الكبيرة التي تواجه المرشح الديمقراطي. فهو يعيش في مأزق فحواه: كيف يمكنه توسيع قاعدة التأييد الشعبي له من الناخبين من دون أن يستعدي أيا من الفئات التي يحتاج إليها يوم الانتخابات الرئاسية في نوفمبر المقبل.

اعتذار شخصي

السناتور اوباما اتصل هاتفيا واعتذر شخصيا للمرأتين المسلمتين اللتين منعتا من الجلوس خلفه في مدينة ديترويت. وقال السناتور في بيان أصدره بعد تلك الحادثة إنه سوف يواصل مكافحة التمييز ضد أي فئة دينية في أميركا.

ولكن هذا الرد من جانب اوباما لم يكن كافيا من وجهة نظر كثيرين من المسلمين الذين يقولون إن حادثة ديترويت تعتبر دليلا على التناقض في رسالة الوحدة التي يتحدث عنها اوباما. بل إن بعضاً من أقوى أنصار اوباما بين مسلمي أميركا يعترفون بأنهم غير سعداء بنفيه المفرط والمستمر والمركز لكونه مسلما.

كما أن مسلمي أميركا لا يخفون انزعاجهم واستهجانهم للتصريح الذي صدر عن أوباما وجاء فيه إنه يدعم بقاء القدس عاصمة موحدة لإسرائيل. صحيح أن هذه التصريحات تصب في خانة مغازلة اللوبي اليهودي القوي في الولايات المتحدة، ولكن مسلمي أميركا يحذرون أوباما من مغبة تجاهلهم والاتكال فقط على الدور اليهودي، فهم يشكلون اليوم كتلة انتخابية لا يستهان بها بوجود ما بين 6 إلى 7 ملايين مسلم أميركي.

وتفيد استطلاعات الرأي الأخيرة بأن 63% من الناخبين المسلمين يؤيدون الحزب الديمقراطي أو يسيرون على نهجه.وفي رد على نفي أوباما المستميت للشائعات التي تقول إنه مسلم، يقول النائب إليسون: نحن المسلمين ننتظره أن يقول إنه ليس عارا او تلطيخا ان يكون المرء مسلما.

ليس هناك خطأ في كون المرء مسلما. يذكر أن هذا النائب المسلم الأسود هو احد أقوى أنصار اوباما، وسوف يحتاج الأخير إليه في حشد التأييد له ليس فقط في ولايته مينسوتا، بل وفي ولايات أخرى. إن هذه التوترات في علاقة اوباما مع المسلمين قد تكلفه غاليا في الانتخابات ولا سيما في الولايات التي قد تلعب فيها أصوات المسلمين دورا حاسما مثل فلوريدا وميتشجان وفرجينيا وأوهايو.

ضرار عمير