أثارت عملية التقارب الأخيرة بين إيران وسوريا من جانب والغرب وعلى وجه التحديد كل من الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا الكثير من علامات الاستفهام حول مغزى هذا التقارب وتأثيراته خاصة على المنطقة العربية والتي يبدو أنها كانت ملزمة بدفع فاتورة أي صراع بين الطرفين والاكتواء بناره العسكرية والاقتصادية والسياسية، وهي أيضا عليها أن تدفع فاتورة التقارب الإيراني- الأميركي..

وكذلك إمكانية نجاح حالة التقارب السورية- الغربية في تهيئة أجواء السلام في المنطقة وتشجيع القوى الدولية وخاصة الغربية على اتخاذ موقف متوازن من الصراع العربي- الإسرائيلي والمساهمة بفاعلية في استعادة الحقوق العربية المسلوبة وسط تحذيرات مشددة من استمرار «الكرم الحاتمي العربي» ومنح التنازلات بدون أي مقابل يصب في صالح الحقوق العربية.

وعما إذا كان هذا التقارب الذي يشهده الملف الإيراني- الغربي في صالح المنطقة العربية أم أنه يخدم مصالح القوى الدولية والإقليمية غير العربية، قالت أستاذة الدراسات الإيرانية بجامعة القاهرة الدكتورة نيفين مسعد: إن هذا التقارب في مصلحة من يتحرك أكثر وأفضل وبما يخدم مصالحه، ولكن هذا التقارب بطبيعة الحال لن يكون في صالح الجميع. فلا علاقة لأخوة نسب أو أخوة دين ولا حساب للعلاقات العاطفية في العلاقات والتوازنات الدولية والإقليمية.

وأشارت إلى أن العرب إذا ما ظلوا هكذا على وضعهم وحالهم من سكون وركون وعدم تحرك بشكل إيجابي، فسيكونون هم الخاسرون الوحيدون من هذه المتغيرات الدولية والإقليمية خاصة في ظل عدم الإدراك للمتغيرات القائمة، وعدم القدرة على التعامل السليم مع السياسة الأميركية. ولا شك أن الحركة الإيرانية هي أكثر سرعة وفهما وإدراكا، وكذلك حركة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وتركيا. أما التحرك العربي فهو تحرك بطيء وروتيني وتقليدي وعلينا أن ندرك جيدا أن هذه السمات التي تميز حركتنا لن تحقق لنا كعرب أي مصالح.

صراع نفوذ

وأضافت أن أي تقارب إيراني- أميركي يستهدف في المقام الأول تقاسم النفوذ ، فصراعهم في المقام الأول هو صراع على النفوذ في المنطقة العربية . وهذا التقارب لا يستهدف كما يعتقد البعض المصالحة حول البرنامج النووي ومعني هذا ،كما تقول، إن الولايات المتحدة الأميركية ستتنازل عن أجزاء معينة من المناطق العربية كمناطق نفوذ لإيران. وفي المقابل تقدم إيران تسهيلات وتنازلات في مناطق نفوذ أميركية أخرى «فهي إعادة صياغة لمناطق نفوذ الطرفين في المقام الأول».ولفتت نيفين مسعد الانتباه إلى وجود إشكاليتين غاية في الأهمية:

الإشكالية الأولى تتعلق بالنظم العربية المسماة «بالمعتدلة» وإذا ما كانت جزءا من تلك الصفقة بين إيران والغرب أم لا؟أما الإشكالية الثانية فتتمثل في أن تقاسم المصالح والنفوذ السياسي سيتم أيضا على حساب ما يسمى بمحور «الممانعة».وشددت على أن أخطر ما في الأمر أننا أمام أيام صعبة للغاية للمقاومة في العراق وفلسطين. فإذا ما اتفق المتنافسان فإن الضحية بالدرجة الأولى ستكون المقاومة العراقية والفلسطينية اللتان ستواجهان ضغطا مشتركا.

ومن جانبه يرى استاذ الدراسات الإيرانية بجامعة طنطا ورئيس تحرير التقرير الإستراتيجي الإيراني السنوي الدكتور مدحت حماد أن أي تقارب بين إيران والغرب يؤدي إلى استقرار المنطقة ، ويقوم على التوازنات، لابد وأن يصب في مصلحة الدول العربية ، ولكن بما لا يخل بالتوازن بين الدول العربية المعتدلة وبقية دول الجوار مثل إيران وتركيا وغيرها من القوى الإقليمية.

وقال: إن التقارب الغربي - الإيراني سيكون له آثار إيجابية على المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط ككل ، مشيرا إلى أن من أهم تلك الآثار الحفاظ على استقرار المنطقة ووقف نذر الحرب والقتال والتي إن قامت فإن المنطقة ستخسر من جرائها كثيرا وذلك بسبب تحول المنطقة لمسرح للعمليات والقتال واستهداف إيران لعدد من دول المنطقة باعتبارها من حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة وما يؤدي إلى خسائر كبيرة في الأرواح .

الحسابات المادية

وأضاف حماد : أنه بالإضافة لذلك فهناك أيضا الخسائر الاقتصادية التي يمكن أن تتحملها المنطقة من جراء نشوب أية عمليات عسكرية بين الطرفين من خلال تحمل الدول العربية وخاصة الخليجية للجزء الأكبر من فاتورة هذه العمليات . بالإضافة لتراجع الاستثمارات وهروب الاستثمارات الأجنبية وتراجع معدلات التنمية وتأثر السياحة بشكل سلبي وهبوط أسواق المال وزيادة أعداد البطالة وتعطل برامج التنمية ، ولذلك فأي تقارب بين إيران والغرب وبصفة خاصة الولايات المتحدة سيصب بلا شك في مصلحة المنطقة العربية.

وشدد حماد على أن حجم استفادة الدول العربية من هذا التقارب يتوقف في المقام الأول على الدول العربية ذاتها والسياسات التي تنتهجها في التعاطي مع العلاقات الدولية والإقليمية وقدرة العرب على حجز موقع متميز في السياسة الدولية وعلى خلق دور فاعل لهم في المعادلة والعلاقات الدولية ، بحيث لا يتوقفوا فقط عند موقف الاستجداء ، مؤكدا على أهمية أن تستشعر القوى الدولية والإقليمية وجود شخصية عربية ودور عربي متميز وفاعل في السياسة الدولية.

وحول التقارب السوري الغربي الذي شهدته الأيام الأخيرة وخاصة مع فرنسا وانعكاساته على مجمل الأوضاع في المنطقة العربية ، أكد مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون العربية الأسبق السفير نبيل بدر علي ان التقارب بين الطرفين سيكون له آثار عدة على عدد من القضايا والمسارات العربية من أهمها الصراع العربي - الإسرائيلي وخاصة على المسار السوري لاسيما أن هذا التقارب تزامن مع ما كشفت عنه التقارير وأكدته تصريحات المسؤولين عن وجود اتصالات مباشرة بين سوريا وإسرائيل ، مؤكدا على أهمية هذا التقارب في إنجاح الحوار المباشر فيما بين تل أبيب ودمشق .

وقال بدر : إن التقارب السوري- الغربي انعكس بلا شك على الأوضاع في لبنان وظهر هذا واضحا من خلال اتفاق الدوحة وبروز دور سوريا في الضغط على حلفائها في لبنان ، وخاصة حزب الله لتمرير وإنجاح الاتفاق، وكذلك ممارستها لضغوط على حركة المقاومة الإسلامية حماس والجهاد الإسلامي لإنفاذ اتفاق الهدنة في قطاع غزة، وهو ما يؤكد أن هذا التقارب من شأنه العمل على إنجاح فرص السلام في المنطقة العربية وتشجيع الجهود الدولية الداعمة للسلام.

وحذر بدر من إسهاب النظام السوري في تقديم التنازلات بدون مقابل ، مطالبا بأن يكون هناك مقابل وألا يكون ذلك مجرد خدمات مجانية بدون مقابل في إطار «الكرم العربي» وأهمية أن يتم ذلك في إطار صفقة شاملة أو مجموعة صفقات تضمن عودة الحقوق العربية كاملة في إطار الشرعية الدولية .

سباعى إبراهيم