شهدت الأيام الماضية تقاربا ايرانيا أميركيا . وتجلى ذلك في حضور الولايات المتحدة - لأول مرة - المباحثات بين أوروبا وايران حول البرنامج النووي ، التي جرت في جنيف مؤخرا. بعدما كانت واشنطن ترفض تماما الاقدام على مثل هذه الخطوة.
وكانت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس قد صرحت قبل ساعات من اللقاء ان الولايات المتحدة ليس لها اعداء دائمون، في اشارة واضحة الى التغير في الموقف من ايران ، موضحة أن إرسال وكيل وزارة الخارجية ويليام بيرنز الى مباحثات جنيف يؤكد جدية الولايات المتحدة بشأن النهج الدبلوماسي.
وتاتي هذه الخطوة بعد فترة من الشد والجذب بين الطرفين ، حرصا فيها على الوصول بالأمور الى حافة الهاوية من خلال التهديدات بضربات عسكرية متبادلة، ولكن التطورات التالية عكست موقفا مغايرا . وهو ما ينم عن وصول الطرفين الى قناعة تفيد بفشل قدرة اي منهما على ضمان الحسم العسكري كوسيلة لتسوية الخلاف القائم بينهما.
ويعني ذلك ان الطرفين قررا تجريب طرق بديلة، في محاولة كل منهما للوصول الى مبتغاه . ومن ثم كان اللقاء في جنيف هو رأس جبل الجليد لما هو آت. إذ يبدو أن اللقاء كان تتويجا لتفاهمات بدأت تتبلور. وأول هذه التفاهمات تلك المرونة التي تبديها طهران فيما يتعلق بالاتفاقية الأمنية بين الولايات المتحدة والعراق ، تلك الاتفاقية التي تقدم اليوم في بنود مخففة وهيئة جديدة تحت اسم ( الأفق الزمني).
وكانت طهران قد أبدت تشددا عنيفا وصل الى التلويح بانها لن تسمح بتمريرها ، في ظل بنودها التي كانت تمثل تهديدا عسكريا مباشرا لها، مثل اقامة واشنطن قواعد عسكرية ، يمكن استخدامها في شن أعمال عسكرية. وكان هذا الموقف الايراني سببا في استثارة الولايات المتحدة.
فعمدت الى تسخين الملف النووي ، والصعود بالأمور الى حافة الهاوية . و اليوم فان أجواء المرونة التي تبديها حكومة المالكي لا تنفصل عن أجواء المرونة الايرانية الأميركية المتبادلة.وعلى الجانب الاميركي كانت مشاركة بيرنز( تحديدا) مؤشرا مهما، فهو يعد الرجل الثالث في وزارة الخارجية الأميركية ، وهو دبلوماسي ضليع خبر المنطقة عن قرب. كما انه معروف بحنكته في ممارسه لعبة الصبر الى أبعد مدى من دون تعقيد الأمور.
وخلال المباحثات جدد بيرنز رغبة بلاده في فتح مكتب لرعاية المصالح الأميركية في طهران ، واقامة خط طيران مباشر يربط بين ايران والولايات المتحدة ، مما يؤشر لجدية المسعى الأميركي في تحقيق التقارب. وبين جنيف وواشنطن وطهران، كانت الملاعب الأميركية تشهد مباريات ود وصداقة في كرة السلة بين المنتخب الايراني وعدة فرق أميركية، في مؤشر ثالث على رغبة الطرفين في تأسيس نهج جديد من العلاقة.
وقد انعكست رغبة الطرفين في التوجه الجديد على أجواء اجتماع جنيف ، حيث قدمت الولايات المتحدة وأوروبا عرضا جديدا يقضي بالاعتراف بحق ايران في برنامجها النووي شرط الابقاء عليه كما هو من دون العمل على تطويره لأكثر من ذلك مستقبلا، وعدم زيادة أجهزة الطرد المركزي الخاصة بتخصيب اليورانيوم لأكثر من العدد المعلن ايرانيا من قبل( نحو أربعة آلاف). الى جانب عدم زيادة درجة التخصيب.
وهذا العرض الجديد يمثل تنازلا كبيرا من الولايات المتحدة والغرب تجاه ايران اذا ما قورن بالعروض السابقة . لكن ايران لا تعتبر برنامجها النووي لب المشكلة وتطرح صيغة أوسع للتعاون، تتضمن الاتفاق على صيغة تعطي لها دورا في ترتيب السياسات الاقليمية الى جانب الغرب. كما تطالب واشنطن بالتخلي عن استراتجيتها في اطاحة النظام . وعدم القيام بأية أعمال معادية ضده.
وهكذا يبدو أن الطرفين تجاوزا عمليا منطقة الخلاف القديم حول ايقاف تخصيب اليورانيوم ، وانهما بصدد انجاز عمل (يبدو رائعا عند النظر اليه من بعيد) على حد وصف سعيد جليلي المفاوض عن النووي الايراني ، فالأمر عنده يحتاج الى التأني وعدم التسرع في اتخاذ الخطوات ، بل يتطلب بالا طويلا وكانك تصنع سجادة ايرانية ، وفي ذلك يلتقي جليلي تكتيكيا مع بيرنز في النظرة الدبلوماسية لمعالجة الأمور.
وتأتي أجواء التقارب الأميركي الايراني كجزء من حالة دولية واقليمية مواتية ، فالأسابيع الماضية شهدت صفقة أميركية صينية وتفاهمات روسية ، كما شهدت أيضا انفتاحا سوريا على الغرب من مؤتمر الاتحاد من أجل المتوسط ، و حلحلة الملف اللبناني ، إلى جانب الباب التركي.
ويلاحظ أيضا أن الدور التركي كان حاضرا بقوة في التقارب الايراني الأميركي ، فتركيا ترتبط بعلاقات قوية مع الطرفين ، كما ان لها مصلحة مباشرة في تغليب الحلول الدبلوماسة على غيرها خشية تدهور الأوضاع ، اذا ما نشب صدام مسلح بين ايران وواشنطن ، فمثل هذا الصدام قد يقود بدوره تركيا الى مشكلات داخلية وخارجية، وهذا ما تتحسب له أنقرة ، ولو أنها لم تحقق سواه لكفاها . لكن الغنيمة الدبلوماسية تفوق عمليا هذه الحدود . وهذا ما سيتجلى فيما بعد .
الملاحظ وسط هذه التطورات ، أن العرب هم الطرف الغائب عمليا ، على الرغم من أن المنطقة أوشكت على الدخول في دائرة تقاسم الغنائم. فمن الغريب أن تلغي مصر مثلا مباراة رياضية في كرة القدم متفق عليها مسبقا مع ايران ، بينما كانت فرق السلة الأميركية تلاعب نظيرها الايراني.
ومن غير المنطقي ان تثور كل هذه الضجة حول فيلم ( اعدام فرعون ) الذي أنتجه ايرانيون عن الرئيس الراحل أنور السادات . وليس مفهوما ايضا ان يتم اغلاق مكتب قناة العالم في القاهرة ، بينما تطلب الولايات المتحدة فتح مكتب لرعاية مصالحها بطهران . ان هذه التصرفات لا يمكن فهمها بمعزل عن عاملين: الاول خضوع بعض العواصم العربية لضغوط أميركية هائلة لعزل ايران عربيا في هذه المرحلة على الأقل.
*الثاني تخوف القاهرة من اقتراب واشنطن وطهران من مرحلة اقتسام الغنائم في معزل عنها. والتقاسم الوشيك للغنائم سينال- بلا شك - من دور مصر الاقليمي على كل الصعيد العربي الآسيوي، ومن ثم فان القاهرة تعبر عن امتعاضها بما اقدمت عليه، علها تؤثر في مواقف الدول العربية الأخرى تجاه ايران. ولعلها ايضا تحافظ على بعض ما تتمتع به من نفوذ اقليمي ، من دون أن تغضب واشنطن.
ومن الواضح أن هذه السياسة ، التي تتبعها الولايات المتحدة مع مصر والعرب حيال ايران، تمارسها أيضا مع أوروبا ، فهي تهدف الى عزل ايران مرحليا لاضعاف قوتها التفاوضية ، ولذا كان التركيز على منحها فقط مهلة الأسبوعين للرد على العرض الجديد، حتى لا تنفرط منها الأمور، وهو ما حاولت طهران التملص منه وعززتها فيه موسكو ، من خلال تصريحات وزير الخارجية الروسي يوم الجمعة الماضية.
ولذا ليست الدول العربية فقط - وفي مقدمتها مصر- من يشعر بقلق مما يجري بين واشنطن وطهران، فأوروبا نفسها التى فاوضت ايران نيابة عن واشنطن لسنوات، تشعر ايضا بذات القلق، خشية ان تكون واشنطن قد أوشكت على ازاحتها تمهيدا للانفراد بقطف الثمار الايرانية . ولهذا السبب بدأت أوروبا مؤخرا في الضغط على ايران من باب ملف أحكام الاعدام.
ومن الواضح أن المخاوف العربية والأوروبية لا تلقى اهتماما حقيقيا عند الولايات المتحدة وايران، فكلاهما يريد بالدرجة الأولى تحقيق مصالحه ، وأنهما اقتربا كثيرا من طي معظم الخلافات وأن ما يجري ليس الا تفاصيل. ولا يشوش على ذلك أي تصعيد دبلوماسي في تصريحات تلقى فقط لتطمين المتوجسين ، مثلما حدث خلال الأيام الماضية قبل زيارة رايس الاخيرة للمنطقة.
ولعل ما يدلل على ذلك ، تلك التصريحات التي أدلى بها الرئيس الايراني احمدي نجاد يوم السبت الماضي، في لقائه أمام أساتذة جامعيين بمدينة مشهد ، حيث قال إن الدول الست الكبرى خففت من مطالبها، ودعت إيران لعدم تجميد التخصيب، و عدم زيادة أجهزة الطرد المركزي الموجودة، مشيرا إلى أن إيران وسعت نشاطها ، وأنها تمتلك الآن ما بين خمسة إلى ستة آلاف جهاز طرد مركزي لتخصيب اليورانيوم .
وهذا الرقم الأخير يعني أن التفاوض الأميركي الايراني صار حول العدد ، وليس حول مبدأ التجميد ، ومن ثم فان ايران ارتفعت بالرقم المعلن من جانبها لأجهزة الطرد، كي تعزز مركزها التفاوضي وفق الرقم الجديد، وهو ما يعني انها ترغب في المحافظة على مكاسبها السابقة ، وتوظيف المفاوضات الجارية حاليا في تطوير قدراتها في مجال التخصيب.
ان الأيام المقبلة حبلى بالمفاجآت التي سوف تؤثر سلبا على أطراف كثيرة لم تتحسب أو تستعد لها ، خاصة وان الأمر لم يعد سوى مسألة وقت ، فادارة بوش تضغط كي تقدم ما انجز على انه انتصار للجمهوريين، ومن ثم يتعزز موقف مرشحهم جون ماكين ، بينما تريد طهران بعضا من الوقت، كي تهدي ما انجز للادارة الجديدة إيذانا بافتتاح صفحة جديدة مع واشنطن ، سواء كان الناجح ماكين او الديمقراطي باراك أوباما ، الذي استطاع ان يفرض رؤيته للملفين الايراني والعراقي على ادارة بوش.
وكانت ايران قد استطاعت من خلال أصدقائها في العراق اللعب على وتر الانسحاب الذي يعزز موقف أوباما ، وهي بذلك تعطيه مصداقية على حساب منافسه ، وتؤثر مباشرة في مسار الانتخابات الأميركية ، لتكرر ما أنجزته من قبل في انتخابات عام 1980 بين الرئيس جيمي كارتر والمرشح الجمهوري رونالد ريجان.
حيث عطلت الافراج عن رهائن السفارة المحتجزين ، فكشفت كارتر انتخابيا، بأن أعطت ريجان مادة انتخابية دسمة ضده ، ثم أهدته الافراج عنهم. وبدوره رد ريجان لها الهدية من خلال صفقات الأسلحة التي عرفت باسم ايران كونترا . وكانت تلك صدمة مروعة للعرب المتورطين في الحرب العراقية ضدها . وللاسف اليوم تتكرر اللعبة نفسها ، في توقيت مختلف ، وبأشخاص مختلفين ، وسيكون العرب أيضا وحدهم هم الخاسرون.
إضاءة
عند الحديث عن التصورات الأميركية لما ستكون عليه العلاقات مع ايران، قال ويليام بيرنز إن هناك خططا ثقافية و منحا تعليمية، للتغلب على ثلاثين عاما من القطيعة ، وهو ما يعني أن واشنطن تسعى من خلال افتتاح مكتب رعاية المصالح في طهران العمل الى تغيير أفكار الشباب الايراني ممن تربى على ثقافة العداء لها طوال السنوات الثلاثين، وهي معضلة كبرى تواجه أميركا ، لكنها تمثل مصدر قوة للدولة الايرانية. ويشير ذلك الى وجود اصرار أميركي على خلخلة الدولة من الداخل بعدما فشلت من الخارج.
احمد الكناني
