لا يمنعنا صعوبة الحصول على الهدف من المحاولة حتى وإن فشلنا في المرات الأولى فطالما أن الهدف لايزال قائما فالمحاولات لن تتوقف.. والأشخاص ذوو الاحتياجات الخاصة قد تضطرهم ظروفهم للتعامل مع المجتمع بشكل مختلف ولكنها لا تمنعهم من تحقيق الأحلام، ولا تمنع الأمل من تغيير حياتهم إلى الأفضل.
استطاعت فاطمة المنهالي تحقيق المعادلة الصعبة التي قد يعجز بعض الأصحاء عن تحقيقها، فبرغم ظروفها الاستثنائية وكرسيها المتحرك وارتباطها بمسؤوليات وظيفية وأسرية إلا أنها نجحت في تحويل كل هذا إلى إيجابيات لا تعيقها ولا تعثر خطواتها بل تدعمها وتدفعها إلى الأمام، وتقول إن السبب الأساسي في هذا النجاح منذ كانت طفلة صغيرة هو اهتمام أسرتها بإدماجها مع أفراد المجتمع الأصحاء. بدأت فاطمة علي عبد الله المنهالي رحلة التحدي عندما كانت في العاشرة بممارسة رياضة السباحة وألعاب القوى ودرست في معاهد خاصة بالمعاقين بعدما شعرت أن لديها ملكات لا تريد حبسها وبعدما توسم فيها الأهل مواهب رياضية مبكرة نجحت في تحدي صعوبة الاختلاط مع أصحاء.
بعد حصولها على الثانوية العامة تزوجت بعد قصة حب جمعتها بزوجها وأنجبت ثلاثة أطفال وتؤكد أن المسؤولية الأكبر التي واجهتها كانت العناية بالأطفال خاصة في مراحل أعمارهم المبكرة حيث لن يحسن رعاية الطفل إلا أمه، وبفضل الله قامت بواجباتها على أتم وجه تجاه بشاير وعلي وسليمان ففازت بلقب الأم المثالية في العام 2006. في مجال الرياضة بدأت التدريب على ألعاب القوى (القرص والرمح والجلة) ووجدت التشجيع من المدربين الذين تعاملت معهم ومن الإداريين الذين رأوا فيها إصرارا على تحقيق المستحيل، وخاصة في نادي دبي للرياضات الخاصة، وبعد شهور من التدريب الجاد والمثابرة والعرق شاركت في بطولة الدولة لألعاب القوى عام 2005 وكانت فاتحة الخير حيث استطاعت إحراز 3 ميداليات ذهبية.
وخلال مسيرة التحدي ظهرت محطات متعددة كان أهمها حصولها على الوظيفة الحالية بالإدارة العامة لمرور دبي مما اضطرها للتوقف عن التدريب بشكل مؤقت لفترة وجيزة تابعت بعدها التدريب وبعد وصولها إلى مستويات متقدمة أوفدتها إدارة النادي إلى ألمانيا بصحبة زميلتين من الإمارات للمشاركة في بطولة العالم في الجلة وحصلت على الميدالية البرونزية.
وشاركت فاطمة المنهالي كذلك في بطولة مجلس التعاون الخليجي في نفس العام وحصلت على ميدالية ذهبية وميداليتين فضيتين. على أن مشاركاتها في البطولات المحلية والدولية والمحافظة على مواعيد التدريب لم تمنعها من القيام بكافة واجباتها الزوجية تجاه الزوج والأنجال، وزرعت فيهم روح المثابرة والاجتهاد وقامت ابنتها الكبرى بشاير بترجمة ذلك إلى واقع عملي بحصولها على الثانوية العامة بمجموع علامات 90%.
وتشير فاطمة إلى دعمها المعنوي المستمر لها وتنصح كل أم أن تبني جسور صداقة متينة مع ابنتها حيث تمدها بالنصح والإرشاد بأسلوب غير مباشر وتضيف إلى تجاربها الغضة تجارب أخرى ناضجة. وتضحك فاطمة وهي تحكي واقعة تدريبها على أعمال الدفاع المدني في دبي حيث شاركت في تجربة إطفاء حريق وهمي.. مؤكدة أن دور المرأة في حماية المجتمع لا يتوقف عند باب منزلها.
تقضي فاطمة يومها مابين ساعات الدوام الرسمي صباحا ثم تعود إلى منزلها ظهرا لتعد الطعام لأفراد أسرتها.. تقضي ساعة على الأقل في قراءة الصحف والمجلات وقراءة بعض الآيات القرآنية الكريمة عصر كل يوم قبل أن تتوجه إلى النادي لمتابعة التدريب ساعتين من الخامسة وحتى السابعة لتجتمع مع أفراد الأسرة التي تصفها بأنها اهتمامها الأول في حياتها.
تشير فاطمة إلى ضرورة معرفة مواهب المعاق وتنميتها بدلا من إهمالها ومن ثم اندثارها فالإعاقة البدنية لن تشكل عائقا في طريق الموهوبين وأصحاب العقول المتفتحة والإرادة الصلبة، فقط علينا اكتشاف ذلك في سن مبكرة حتى ندعمه بما يحتاجه من التوجيه والإرشاد والرعاية والموهبة ليست بالضرورة موهبة رياضية، من الجائز أن يكون المعاق يجيد الرسم أو النحت أو أي من فروع الفنون التشكيلية أو اليدوية الأخرى..
ويخطئ بعض أهالي ذوي الاحتياجات الخاصة عندما يتعاملون مع أبنائهم معاملة الكم المهمل، إذ قد يلجأ البعض لتقليل فرص خروجه من البيت لأسباب وحجج واهية، ولكن ذلك خطأ كبير لأننا نصادر عليه حقه في ممارسة دوره الطبيعي في المجتمع لمجرد أنه محروم من الأداء الجسدي الطبيعي.
وعن شخصية فاطمة وعن إنجازاتها تقول ابتسام محمد السويدي رئيسة قسم الفتيات في نادي دبي للرياضات الخاصة إنها شخصية مبدعة تهوى تخطي الصعاب وتحقيق الانجازات الرياضية المتتالية، ولعلها كانت إحدى السيدات اللاتي أثبتن جدارة المرأة في خوض أصعب المجالات جنبا إلى جنب مع الرجل وخاصة لو كانت زوجة وأماً مما ينفي دعاوى تقصير المرأة في دورها الأساسي إذا ما شغلها عنه نجاحات خارجية..
وتضيف ابتسام راشد أن مشاركاتها المتعددة في المنافسات المحلية والعالمية في ألعاب القوى أثمرت عدداً لا بأس به من الميداليات بأنواعها مما يدعم فرصها في المنافسات المقبلة لجلب المزيد من الانتصارات للإمارات.
تذكر صديقتها سعاد راشد أن السبب الرئيس في نجاح فاطمة وحصولها على كل هذه الإنجازات هو إرادتها الصلبة وحبها للرياضة بالإضافة إلى نجاحها في تنظيم أوقاتها مابين الوظيفة صباحا والتدريب مساء بالإضافة إلى توفير الوقت لرعاية الأسرة وفي هذا الزمان نادرا ما نجد امرأة بهذه القوة.
وأقصد بالقوة هنا ليس فقط القوة البدنية وإنما أيضا قوة الشخصية وما دفعها لتقوم بكل تلك التحديات هو رغبتها في إثبات وجودها كامرأة تتحدى الصعوبات العادية التي تواجهها أي امرأة في الحياة من ناحية ورغبتها في إثبات جدارة ذوي الاحتياجات الخاصة بخوض المنافسات الرياضية الصعبة والفوز بها من ناحية أخرى.
أما فرزانة محمد صديقتها وزميلتها في العمل فترى في فاطمة جوانب كثيرة تساعدها على تحقيق أصعب الأحلام التي تبدو من أول وهلة بعيدة المنال, وأهمها الجانب الديني فهي تستعين بإيمانها بالله في تذليل الصعوبات كما توفر لها البيئة الدينية التي عاشت فيها توازنا نفسيا وثقة بالنفس يساعدانها على المثابرة والنجاح, وعلى المستوى الشخصي تتميز فاطمة بابتسامة صافية ومريحة جعلتنا نكسبها كصديقة من أول لقاء.
وتحرص فرزانة وعائلتها على متابعة البطولات التي تشارك فيها فاطمة بشكل مستمر من خلال الصحف والمجلات كما تتابع المنافسات المنقولة عبر القنوات الفضائية وتشعر بكل فخر واعتزاز لكونها صديقة وزميلة في نفس مجال العمل.
إضاءة
شاركت فاطمة المنهالي في عدد من البطولات المحلية والعالمية وحققت ذهبية بطولة دول مجلس التعاون الخليجي عام 2005 واثنتين فضيتين ثم بطولة العالم في ألمانيا في نفس العام وفازت فيها بميدالية برونزية وشاركت في بطولة الدولة وحصدت 3 ميداليات ذهبية.
وفي العام 2006 شاركت في بطولة الدولة وحصلت على 3 ميداليات فضية وفي البطولة الأخيرة لألعاب القوى فازت بميدالية ذهبية و3 ميداليات فضية..الثانية على مستوى العالم في ألعاب القوى والأولى على مستوى الدولة. ومن إنجازاتها الاجتماعية حصولها على لقب الأم المثالية على مستوى الإمارات في العام 2006. متزوجة ولديها بشاير (16 عاما) وعلي (15 عاما) وسليمان (8 سنوات).
أيمن حجازي


