كان الداخل الى أبوظبي والخارج منها من تلك البقعة من الأرض والبحر، عليه أن يدفع رسوما، وظل هذا الوضع لمدة طويلة بعد بناء جسر المقطع.
وفي المياه بالقرب من جسر المقطع يوجد حصن جسر المقطع، ويعتبر من الآثار الخالدة في مدينة أبوظبي، وقد شيد منذ أكثر من مئتي عام، وتشير الوثائق التاريخية الى أن عمليات بنائه تزامنت مع بناء قصر الحصن، وبني في تلك المنطقة لرصد ومراقبة أي تحركات معادية ضد السكان، وكانت توجد بجواره قلعة صغيرة إلا أنها تهدمت. وتشير المصادر إلى أنه وحتى بداية الخمسينات لم يكن يوجد في منطقة المقطع أي مبنى من حجر وطين سوى البرج الذي يتوسط الخور الذي يفصل مدينة وجزيرة أبوظبي عن البر. وبني جسر المقطع الحديث عام 1968، وحافظ على مكانته الحيوية كعقدة مواصلات رئيسية بين جزيرة ابوظبي والمناطق البرية من الإمارة. وكان تحسين شبكة المواصلات بين جزيرة ابوظبي والمناطق الداخلية من الإمارة، يشكل إحدى أولويات برنامج عمل المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، عند توليه مقاليد الحكم عام 1966.
وقد أدخلت التعديلات والتطورات على جسر المقطع في مشاريع عديدة حتى وصل الى شكله الحالي... ويقول رجل الأعمال محمد عبد الجليل الفهيم في رواية (زمن الصبر) عندما كان صغيرا وسافر لأول مرة مع القافلة الى العين عابرا جسر المقطع: كنا متجهين جنوبا على طريق رملي غريب في تعرجاته، مليء برشح مياه البحر، سالكين خطا رفيعا يتكون من أرض لزجة طينية، تحدها رمال ناعمة على الجانبين، ومنها الى سهل رملي منبسط تغطيه الأعشاب، لاح لنا من بعيد برج عال لم أر مثله من قبل، يحيطه البحر من كل جانب.
انتظار الجزر... توقفت القافلة وسط الماء، وغرقت فيه كواحل المطايا، كان هناك حراس في أعلى البرج يراقبون من خلال نوافذ ضيقة. اما الحارس المتواجد أسفل البرج، فكان قد بنى لنفسه مظلة من السعف جلس تحتها وما ان رأى القافلة حتى ركض باتجاهنا، لأن مهمته تقتضي مساعدة القوافل المتوجهة للواحة. كان علينا العبور إلى الجانب الآخر، وكان الجزر منخفضا بما فيه الكفاية، والعبور يعتمد على حسن التوفيق عند الوصول للمنطقة، حيث لم تكن حركة المد والجزر قابلة للتنبؤ بسبب تأثير الرياح والتيارات القوية في القناة المحيطة بالجزيرة. كان علينا انتظار انحسار الماء للوصول إلى الجهة الأخرى، لم نتوقف كثيرا، فقد حالفنا الحظ، وقطعنا بمساعدة الحارس وإرشاده السهل الرملي الذي تغطيه الأعشاب، والذي كان يفصل بين البر والبحر.
ويقول الفهيم في جزء آخر من الرواية بعد عودته من العين، التي أمضى فيها خمس سنوات، ويصف المقطع ثانية في طريق عبوره الى أبوظي: شاهدت تغيرات من أول دخولنا الى البحر الذي شممت رائحته، فرأيت أنه اصبح لدينا معبر من الحجر والطين كان قد ارتفع عن سطح البحر لتتمكن كل القوافل من المرور عليه بسهولة ويسر، بعد ان كنا ننتظر تراجع مد البحر حتى نتمكن من العبور، وبقي برج الحراسة على حاله.
نقل العاصمة
ويقول الدكتور فالح حنظل المؤرخ والباحث في تراث الإمارات: كانت تلك المنطقة تسمى بالمقطع لأنها الأقرب الى البر، وتعتبر السبب الرئيسي لاختيار أبوظبي العاصمة في أوائل القرن التاسع عشر، عندما قرر الشيخ شخبوط (الأول) بن ذياب آل نهيان نقل العاصمة من (المارية) في منطقة ليوا الى أبوظبي، وذلك لأن المقطع مانع مائي يمكن مروره في حالة الجزر ويصعب مروره في حالة المد، ولذلك بني فيه برج لمراقبة العابرين وليشكل قطعة دفاعية إذا حاول العدو احتلال العاصمة جزيرة أبوظبي، التي كانت تعد العاصمة الأولى بينما مدينة العين هي العاصمة الثانية.
وتكمن أهمية منطقة المقطع الاستراتيجية في انها مانع دفاعي مثالي للجزيرة يعزز وجود البرج (برج المرقاب). وقديما كان لأهل أبوظبي ما يسمى برحلة الحضارة في موسم الصيف، ينتقلون فيها الى العين أو محاضر ليوا، وذلك هربا من قسوة الطقس الحار والرطوبة المرتفعة، فيقطعون المياه في منطقة المقطع ثم يركبون الإبل الى العين، أو يركبون السفن الى المرفأ ثم يركبون الإبل ويتجهون الى محاضر ليوا.
جسر الرمال والحصى
وكان عندما يخرج أهل أبوظبي في قوافل متجهين الى واحة العين وليوا عليهم أن يمروا من هذا المقطع، حيث يجلس الجميع على مقربة منه انتظارا لانخفاض منسوب مياه البحر في حالة الجزر ليمروا الى الجانب الآخر، وكانت الإبل التي تحمل النساء والأطفال والمؤن المعدة للسفر تقطع هذا البحر خوضا في المياه التي كانت تصل الى صدورهم (لذلك أسموه المقطع).
وظلت الأحوال هكذا حتى عام 1950م، عندما بدأت عمليات التنقيب عن النفط تأخذ مجالا واسعا في مناطق حبشان وباب وغيرهما في المنطقة الغربية، وبدأت معدات الحفر وغيرها من المعدات الثقيلة والسيارات ذات الدفع الرباعي تنزل في ميناء صغير يسمى (خور البغال) وهو نفس موقع الميناء الحالي بجوار النادي الإنجليزي، وأصبح لابد من ايجاد وسيلة تنقل تلك المعدات، فقامت شركة أبوظبي للنفط المحدود ببناء طريق يربط جزيرة أبوظبي بالبر، وكان جسرا من الرمل والتراب والحصى الصلب، إلا أن هذا الطريق أعاق السفن من الاستداراة والعودة لأبوظبي، وإن اصبح منذ ذلك الوقت معلما مهما للمدينة.
ويواصل الدكتور حنظل: وبقي الأمر هكذا حتى عام 1964م، حين أمر الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان ببناء جسر حديدي منتظم، أزيل معه الجسر السابق، وتمكنت السفن مرة ثانية من الاستداراة والعودة الى أبوظبي، واصبح الجسر الحديدي ممرا للسيارات من ابوظبي الى العين، وعندما تولى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الحكم أمر برصف شارع ذي ممرين بالزفت، من جسر المقطع حتى مدينة العين، وبني في مدخل الجسر مركز للجمارك عام 1960م، أزيل بعد فترة من الزمن، وتطور بناء الجسر على مر السنوات وأصبح عرضه أربعة أضعاف الجسر الذي بني أول مرة.
إضاءة
بني جسر المقطع الحديث عام 1968، وحافظ على مكانته الحيوية كعقدة مواصلات رئيسية بين جزيرة ابوظبي والمناطق البرية من الإمارة. وكان تحسين شبكة المواصلات بين جزيرة ابوظبي والمناطق الداخلية من الإمارة، يشكل إحدى أولويات برنامج عمل المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، عند توليه مقاليد الحكم عام .
إيمان قنديل



