الحلم يتفتق على مروج الربيع، لم يكن حلما معجزة، هو سفر من اسفار التكوين ومن اسفار الأمم وتشرّب الثقافات حتى ليتحول لكل امة هامة عظيمة تنيف فوق سحاب الصيف وغيوم الشتاء فتمطر علما ومعرفة واملا، تنمو على آثاره الأجيال مروية بما نهلته من سائغ الشراب ومياه الحب، فعلى مسرح الحياة الصاخب التقيت بأشخاص طوال سنوات حياتي وتشكلت لدي رغبة ملحة في إخراج ما علق في نفسي من أثر وانطباع، فبالنسبة لي فقد تأثرت بالكثير ممن التقيت بهم وليس للزمن دخل في تكوين أو مقدار (الأثر أو التأثر) فقد تكون لقاءات خاطفة أو عابرة كافية لأن تترك في النفس الأثر المطلوب لأجد نفسي مشدوداً إلى هذا الشخص أو ذاك، وقد يكون الشخص نفسه مغرياً أن يكون مادة للكتابة، أردت إطلاع القاريء على جوانب قد تكون خافية عن شخصه. انه منصور عبد الرحمن، ابن رأس الخيمة بصحرائها وجبالها وغافها.. كنورس يتنقل من موجة الى اخرى ومن شاطئ الى آخر.
فمن شواطئ رأس الخيمة انتقل الى شواطيء بيروت 1963، وكانت وقتها الإمارات متقطعة الأوصال. لا طرقات ولا كهرباء ولا هواتف، اي انها معزولة مع نفسها، فما بالك بالدول التي تفصلها عنها مسافات شاسعة في لبنان وتحديدا مدينة طرابلس في الشمال. درس في مدرسة داخلية، انتقل الى مكان اذا قارناه بإمارته وقتذاك فهو الجنة. كل شيء موجود، مقومات البلد موجودة. الناس مطلعة على العالم والعالم مطلع عليهم، فهم ليسوا نسيا منسيا كما كان عنده الحال. تعلم، خرج من جلده الذي صغر عليه لأنه كبر قبل اوانه. نضج فكريا وعقليا وثقافيا، عاش هذه المرحلة بكل تقلباتها لينهي دراسته الثانوية ويقفل عائدا الى بريطانيا لدراسة إدارة الأعمال، عاد الى الإمارات العام 1973 عندها كانت خيوط الاتحاد قد شملت كل الإمارات ومضى عليه عامان. التطور الحاصل في الإمارات نتيجة طفرة كبيرة وفكر متقد اسهما في نقل ابن الإمارات من حالة اللا شيء والسكون الى مرحلة العالمية والتفتح والنهل من الآخر، حتى ان الإمارات باستقطابها للعمالة والخبرات اختصرت الكون بين جنباتها.
مرحلة التكوين الثقافي... عدت الى الإمارات وقتها. لم يكن هناك سوى صحيفة الخليج ومجلة الأزمنة التي كان يديرها المرحوم غانم غباش. كانت المجلة تعبر عن الحال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للإمارات. فضلت العمل فيها لأنك تكتب عن انسان بلدك، معيشتك اليومية بكل تفاصيل الكلمة، وكانت زاويتي تحت عنوان «هموم الناس»، ولظروف ما، اقفلت «الأزمنة» لتعاود الصدور من لندن ثم توقفت. بعدها كتبت مقالات في جريدتي الخليج والفجر. ولكن من أثر في الآخر منصور أم «الأزمنة»؟ يقول: «الأزمنة» مرحلة كباقي المراحل التي يعيشها الإنسان وما دمت موجودا فأنا الذي كنت امدها بما تحتاجه. لا انكر انها ساعدتني من خلال بعض الشخوص من طريقة الكتابة، إلا انني بالمقابل استمريت من بعدها، وما زاد الطين بلة ما يتفق ولا يتفق وسياسة المطبوعة اي تكتب وأنت تعرف المحاذير وتصدم بعذر غير صالح للنشر، وهذا جعلني اتوقف عن المساهمة والكتابة في الصحف وأبحث عن مطبوعة تعبر عن حال المجتمع فكانت مجلة «أحوال».
الصحافة بين الفكر والمال... عندما أصدرت «أحوال» وصرفت عليها من مالي الخاص تفاجأت ان طرح قضايا المجتمع والتحدث باسم الناس يغلقان ابواب المؤسسات في وجهي بحجة ان المطبوعة تتدخل فيما لا يعنيها، بينما المجلات الفنية المشغولة بالمطربة فلانة والممثلة علانة مليئة بالإعلانات، وقعت في حرج مادي ومع ذلك واصلت النهج وحولتها الى نصف شهرية ثم اسبوعية. منصور يحرق كتبه وإذا كان الاحتراف موجودا في كل شيء، مثل الكرة والغناء والموسيقى، إلا أن الاحتراف في الكتابة يؤدي الى الموت جوعا خاصة انه لا توجد جهات رسمية تقوم بشراء او طباعة او توزيع الكتب تشجيعا للكاتب المواطن، ووصل بي الحال ان احرقت مجموعتين من كتبي واحرقت معهما آمالي وطموحاتي، إلى أن حدث خلال أحد معارض الشارقة للكتاب أن اتصلت بي دار الفارابي في بيروت تخبرني ان كتبي تباع ويريدون طبعة اخرى.
اعادوا لي الأمل واستمريت ووصلت الى الرواية الثالثة «المخلوقات الأخرى»، و«ابن مولاي السلطان»، و«الرجل الذي اشترى اسمه»، والآن بصدد تأليف كتاب عن الأمثال في الشعر العربي وقد قرأت سبعين مرجعا وما زال الوقت طويلا، لذلك اريد ان اخرج بعمل يوثق هذه الامثال.
الكتابة الساخرة
تميز اسلوب الكاتب منصور عبد الرحمن بالسخرية حتى يخاله المرء مجنونا ويجعلك تضحك على مصيبتك، فهو يؤنّس غير المستأنس ويُجيره لصالح المقهور. هذا النوع من الكتابة قليل في وطننا لأن السخرية تحتاج إلى ثقافة وخفة دم ومعايشة للهم اليومي.
كتب في مجلة «احوال» باسم ابو بريص «متسلق الجدران» متناولاً كل كبيرة وصغيرة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وكل مايهم القضايا الحياتية، وفي روايته «المخلوقات الأخرى» أنطق الحيوانات ضمن شخوص وقضايا تطرح مالا يستطيع الإنسان طرحه خوفا ان تسمل عينيه او يقبض عليه لأنه سب الأصدقاء من الدول الكبرى او لأنه تجاوز حدوده، وفي آخر كل حكاية يحاكم اصحابها من حيوانات وطيور في إسقاط على بعض الواقع، حتى لا يدخل دائرة الجاذبية القانونية، ويصبح كمن مات بلا نظر أو وجهة نظر.
قراراتي وصداقاتي
ويقول اتمنى ان لا اكون تاجرا او صاحب ملك، ولكن لأن الكتابة لا تطعم خبزا أعمل في شركة «خانصاحب» واحيانا أتخذ قرارات ضد رغبتي، فهل انتصر للموظف الإنسان ام للشركة؟، ولكن في المقابل فالشركة تطعم اناسا وتفتح بيوتا، ما يجعل الصراع بين السلطة والإنسانية مريرا.
أما عن الصداقة فيلخصها بكلام الإمام الشافعي:
«فما كل من تهواه يهواك قلبه
وما كل من صافيته لك قد صفا
إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة
فلا خير في ود يجيء تكلفا
سلام على الدنيا اذا لم يكن فيها
صديق صدوق صادق الوعد منصفا»
اقولها وللأسف لا يوجد لدي اصدقاء قد يكون العيب في شخصي ولكن اصدقاء الطفولة كلهم اخذتهم الحياة صوبها، واصدقاء العمل للأسف انانيون تنتهي علاقتك بهم بمجرد ترك العمل، ويبقى قول المتنبي «وخير جليس في الأنام كتاب».
الارتحال وتوسع الآفاق
زرت معظم دول العالم باحثا في الزمان والمكان، فالسفر يعلم الصبر. في فرنسا زرت برج ايفل وقوس النصر ومركز بومبيدو والشانزليزيه والأوبرا وزرت المتاحف البريطانية مثل اللوفر وبيكاسو وسلفادور دالي في اسبانيا واستغربت من شيء جميل في تشيكوسلوفاكيا ايام الشيوعية، حيث وجدت في يوم كل المتسوقين يحملون بطيخاً «جح».. فسألت مستغربا، فقالوا هذا اليوم فقط للبطيخ.. وفي براغ الناس هادئون في يوم، لا احد يتكلم وتمر من امامك سيارة صهريج لترش الطرقات بماء الورد فتتنسم عطرا ربيعيا.
وفي صوفيا ممنوع سير السيارات يوم الأحد والكل يخرج من بيته الساعة الثامنة ولا احد يتكلم فهو يوم الهدوء وتوفير الطاقة.. اما اميركا فأخافتني لأنك ترى اعلانا يقول انظر الى حجرة نوم اولادك ربما خطفهم احد. لذلك للمدن عندي مفهوم مكان وزمان وحضارة واناس تربوا على احترام الآخر وعدم تضييع الوقت.
مثقف من الطراز الأول
غسان الحبال ـ صحافي: عملت انا ومنصور من ايام مجلة «الأزمنة» وانقطعت فترة ثم عدت مديرا لمجلة «أحوال». ان الاحتكاك بمنصور عبد الرحمن يزيدك معرفة بأمور الدنيا، فهو مثقف من الطراز الأول وشغوف بالعمل الصحافي ومتابع للقضايا اليومية عالميا ومحليا، ولم تنسه الإدارة لأكبر شركة في البلد انسانيته وتعاطفه مع القضايا الإنسانية للموظفين.
بحر عاتخالد السويدي رجل دولة وكاتب صحافي في «أحوال»: من خلال احتكاكي بمنصور عبد الرحمن وقراءتي لعموده ورواياته شعرت ان هذا الإنسان امام بحر عاتي الأمواج إذا أردت أن تدخله يجب أن تكون غواصا ماهرا، يغمرك بإنسانيته، ومازال يعتبر نفسه في بداية الطريق رغم معرفته بكل شيء. لقد تعلمت منه ما يمكن أن أتعلمه في مئة عام.
إضاءة
منصور عبدالرحمن خانصاحب مواليد رأس الخيمة انتقل للدراسة في بيروت العام 1963، ثم توجه إلى بريطانيا لدراسة ردارة الأعمال 1971 وعاد إلى الوطن العام 1973، عمل في شركة خانصاحب للمقاولات، ثم احترف العمل الصحافي والأدبي من خلال مجلة الأزمنة ذائعة الصيت وقتذاك العام 1979..
ثم أصدر مجلة أحوال 2003 ولكنه ا قتنع أن العمل الجاد لا يطعم خبزاً فأقفل المجلة، وإن عادت للصدور بشكل خجول. له ثلاث مجموعات قصصية أحرق مجموعتين منها وهو بصدد تأليف كتاب عن الأمثال في الشعر العربي، وقرأ من أجل ذلك 70 مرجعاً.
عبدالمنعم الشديدي



