فجأة صار «أوكا» نجما في الأحداث الساخنة والمثيرة التي يعيشها العالم الآن. انتقل إلى دائرة الضوء وصار اسمه متداولا ومألوفا ليس لأنه اسم ذات طابع موسيقي سهل ترديده، ولكن لأنه صاحب أول مذكرة اعتقال يصدرها ضد رئيس دولة يمارس عمله ولم يسبق لأحد غيره أن أصدرها. أوكا.. يكاد يشبه الدبلوماسي الأميركي المعروف جون بولتون في إشعال الحرائق السياسية. فقد كان بولتون - كما وصفه وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول- رجل إطفاء يشعل النار بدلا من أن يخمدها. وهذا ما فعله أوكا الآن .
أشعل نيران الغضب في السودان وربما بسببه قد تسوء الأوضاع في دارفور وتعود إلى نقطة الصفر بعد أن طالب باعتقال الرئيس السوداني عمر حسن البشير بتهم التخطيط لإبادة جماعية وارتكاب جرائم حرب في دارفور وارتكاب جرائم ضد الإنسانية.أوكا .. هو اسم التدليل الذي يحمله لويس مورينو أوكامبو المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية . اختارته لهذا المنصب الدول التي وقعت معاهدة إنشاء هذه المحكمة فور تأسيسها في لاهاي بهولندا عام 2003.
بسبب شهرته في موطن رأسه الأرجنتين كقانوني عنيد وشرس ، أتى به أصحاب فكرة تأسيس المحكمة الجنائية الدولية ليتولى القضايا التي فوضت المحكمة نفسها للتحقيق فيها.وسر الاستعانة به بالذات رغم أن هناك الآلاف من القانونيين في بلدان عديدة مؤهلين لهذا المنصب، إنه صاحب تجربة في فتح ملفات الحكام العسكريين الذين أداروا شؤون بلده بالحديد والنار. وأنه استطاع بعناده وشراسته كمدع ، أن يخوض صراعا عنيفا أمام القادة العسكريين عندما كان نائبا للمدعي العام الأرجنتيني في محاكمة أعضاء الحكومة العسكرية الأرجنتينية التي وجهت إليها تهمة انتهاك حقوق الإنسان.
وكان ذلك بالطبع بعد أن استعادت الأرجنتين حكمها الديمقراطي. من هنا.. لمع أوكامبو وذاع صيته إلى خارج حدود الأرجنتين التي جعلت منه بطلا قوميا في المعارك ضد العسكر والمفسدين. واستعانت به حكومة تشيلي للتصدي لعناصر استخباراتية قامت بعمليات تعذيب ضد الآلاف من المواطنين. ونجح في إلقائهم بالسجن بعد إدانتهم. وربما لذلك كلفوه بفتح ملفات دولية تتعلق بقضايا حقوق الإنسان وعلى رأسها ملف دارفور.
بل ولا يستبعد مراقبون أن تكون أطرافا لها مصلحة في معاقبة النظام السوداني، هي التي أتت به لتولي مثل هذه الملفات مستغله تعنته و تشدده مع الأنظمة العسكرية وبالتالي استثارته ضد نظام الرئيس البشير الذي لا يزال ينظر إليه الغرب على أنه نظام عسكري.أوكامبو .. تولى مع أول أسبوع في منصبه، تحقيقات في جرائم حرب في أربع دول افريقية هي :الكونغو الديمقراطية وأوغندا والسودان وجمهورية إفريقيا الوسطى. واصدر12 مذكرة اعتقال. .ومنذ أن تم اختياره في 21 أبريل 2003 كأول مدع عام للمحكمة الجنائية الدولية.
استخدم أسلوبا متصلبا في التعامل مع قضية دارفور، وهو ما تبين في تقريره الأخير عن الأوضاع في دارفور، والذي قدمه إلى مجلس الأمن الدولي يوم 5 يونيو الماضي عن المذابح وأوضاع اللاجئين. وحرض أوكامبو مجلس الأمن على التدخل بعد أن رفضت الحكومة السودانية تسليم أي من مواطنيها للمحكمة وبالتحديد وزير الشؤون الإنسانية السوداني أحمد هارون، وأحد قادة ميليشيات الجنجويد علي كشيب. ويمكن القول إن أوكامبو الذي من المفترض أنه يمارس عملا قانونيا، قد خرج عن النص القانوني الذي يفترض أن يلتزم به.
إذ غلب على كلامه الطابع السياسي وهو يوجه اتهاماته إلى السودان، خاصة أمام مجلس الأمن الشهر الماضي،إذ وصف سلوك الحكومة السودانية في دارفور بسلوك العهد النازي في ألمانيا. عموما ما أقدم عليه أوكامبو بشأن دارفور، يحمل كما أجمع المراقبون مخاطر تقويض أي احتمالات لتحقيق السلام في الإقليم. وصدقت صحيفة الاندبندنت، إذ قالت إن السلام في دارفور أكثر إلحاحا من العدالة.
إضاءة
تقول صحيفة الاندبندنت البريطانية إن التهديد بمقاضاة الرئيس البشير لم يؤد سوى إلى جعله يزداد تصميما على مقاومة الضغوط الخارجية في مباحثات السلام حاليا بدل إضعاف موقفه، وإصدار مذكرة الاعتقال جعلته يستقطب دعم القادة الأفارقة الذين رأوا فيها تهجما يستهدف بشكل حصري قارتهم.
وعلى العالم الخارجي أن يعتمد على تعاون السودان في مساعيه لإحلال السلام، فإدانة طرف معين من شأنه تشجيع الطرف الآخر على المضي قدما في استخدام العنف أكثر فأكثر لدفع مطالبه نحو الأمام.
حسن صابر
