في سابقة هي الأولى من نوعها وجه مدع عام دولي قرار اتهام بحق رئيس دولة لايزال في السلطة، داعيا الى توقيفه تمهيدا لمحاكمته . هذا ما أقدم عليه لويس مورينو أوكامبو المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية ضد الرئيس السوداني عمر حسن احمد البشير. اذ رفع الادعاء الى قضاة المحكمة طلبا يقضي بالقبض على الرئيس ومحاكمته. هذا الاجراء جاء بعد جولة من التجاذب بين المحكمة والحكومة السودانية بشأن أزمة دارفور.
و جاء فيه مذكرة الادعاء ( يوم الاثنين 14-7-2008) أن الرئيس البشير متهم بقتل ما لا يقل عن 35 ألف مدني، كما تسبب بموت بطيء لما يتراوح بين نحو ثمانين ألفا وبين مائتين وستة وخمسين الفا، شردهم القتال في دارفور. أما قرار الاتهام، فقد تضمن اسباب مطالبة الادعاء بملاحقة الرئيس ومحاكمتة، وجاء فيه أن هناك ( مبررات للاعتقاد بأن عمر حسن أحمد البشير يتحمل المسؤولية الجنائية. فيما يخص تهم ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب .. وبأمر منه ، ولأكثر من خمس سنوات، هاجمت ميليشيا الجنجويد القرى ودمرتهاألا.. كما أنه عرقل تقديم المعونة الدولية، وشرد ملايين المدنيين ، ودمر جميع وسائل عيشهم، واغتصب أراضيهم. وظل ينكر وقوع هذه الجرائم طوال هذه السنوات الخمس .. إن البشير شجع مرؤوسيه ، ومكنهم من الإفلات من العقاب من أجل ضمان رغبتهم في ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية..
وبدلا من مساعدة أهل دارفور عبأ جهاز الدولة بأكمله ، بما في ذلك القوات ألاالمسلحة ، وجهاز الاستخبارات ، والدوائر الدبلوماسية والإعلامية ، والجهاز القضائي من أجل إجبارألا الأشخاص الذين يعيشون في مخيمات المشردين ، على العيش في ظروف صعبة بقصد تدميرهم جسديا. إن البشير هو الرئيس ، وهو القائد الأعلى للجيش .ألا لقد استعمل جهاز الدولة بأكمله. واستخدم الجيش ، وجندألا الجنجويد في ارتكاب هذه الجرائم .. إن هذه الأجهزة جميعا تحت مسؤوليته ، وهي كلها تطيعه. لأنه يتمتع بسلطة مطلقة) .
وكما هو واضح فان الاتهامات بنيت على اساس ممارسة الرئيس لمهام منصبة بشأن ادارة شؤون الدولة ، وهنا مكمن الخطورة ، لأن الرئيس لايزال على رأس الدولة ، وهو ما يعني تقييد سلطته عمليا في القيام بمهامه الدستورية ، و استهداف إحداث فراغ سياسي قد يؤدي الى فراغ دستوري . في وقت تتعرض فيه السودان لمشكلات داخلية وخارجية معقدة .
هارون وكوشيب
ويبدو أن أوكامبو أراد معاقبة البشير على موقفه الصلب من قرار سابق للمحكمة بالقبض على مسؤولين سودانيين ، اتهما بارتكاب جرائم ابادة في دارفور ، وهما أحمد هارون وزير الدولة بوزارة الشؤون الانسانية ، وعلي كشيب أحد قادة الميليشيا في السودان. اذ رفض الرئيس السوداني وهو يقسم بأغلظ الايمان أنه لن يسلم المحكمة أي سوداني . هذا الموقف اعتبره الادعاء تعطيلا للعدالة الدولية ، ومن ثم جاء قرار الاتهام متأثرا به .
فما دام الرئيس يسخر سلطاته لحماية المطلوبين ، فان سلطاته نفسها هي محل الاتهام الجديد، أي استخدام سلطاته ضده . وكأن أوكامبو أراد تجريد الرئيس من هذه السلطات داخليا وخارجيا ، واخضاعه واخضاعها للاتهام . وهذا مايحدث لاول مرة في تاريخ المحاكم الدولية .
وهنا مكمن الخلط بين القانوني والسياسي في عمل الادعاء العام ، وفي موقف الرئيس البشير أيضا . لكن من الانصاف القول بان أوكامبو رجل يتمتع بمهارة قانونية دولية ، فسجله المهني يشهد له بحماية الحريات العامة ومواجهة الديكتاتورية العسكرية في أميركا اللاتينية.
خاصة في بلاده الارجنتين ، فله الفضل في جمع الأدلة وتكييف الاتهامات . ولم يكن من الممكن ادانتهم على جرائمهم لولا مهارته القانونية ، ولهذا السبب جيء به الى محكمة الجنايات الدولية . ومن الانصاف أيضا القول بان الرئيس البشير تصرف تجاه المسؤولين السودانيين المطلوبين للمحكمة وفق ماتقتضيه المصلحة الوطنية ومصلحة النظام.
حيث فضل محاكمتهم امام القضاء الوطني بدلا من القضاء الدولي، مستندا الى ان السودان ليست عضوا في اتفاقية المحكمة الدولية ، ولم توقع عليها .اننا أمام ارادتين وموقفين، وكلاهما يحاول الانتصار لرأيه على الآخر قانونيا وسياسيا ، وهو مايجعل القضية شائكة ، ويخضعها لاعتبارات السياسة اكثر من اعتبارات القانون ، لأن المعالجات في المرحلة المقبلة ستخضع لموازين القوى قبل خضوعها لمواد القانون، سواء داخل السودان أو خارجه.
انقسام الشارع
ومن واقع رصد الداخل السوداني فان هناك عدة مستويات ، عليألا صعيد الشارع ، والنخبتين الشعبية والرسمية . فالشارع السوداني منقسم بانقسام الازمات بين الحكومة ودارفور ، وبين الشمال والجنوب ، وان كانت المشاهد القادمة من الخرطوم تشير الى موقف شعبي تعبوي متعاطف مع الرئيس .
وعلى مستوى النخبة الشعبية فان الانقسام موجود أيضا ، حسب توزع الأزمات ، بل انه موجود في الخرطوم نفسها . فزعيم المؤتمر الشعبي السوداني الدكتور حسن الترابي خالف الحالة التعبوية ، واعلن مساندته للعدالة الدولية مؤيدا محاكمة الرئيس البشير . والترابي سياسي وقانوني يعي جيدا دقة موقفه وتصريحاته .
أما النخبة الرسمية فليس متصورا ان تقف ضد الرئيس . وهذا امر طبيعي في دولة كالسودان ، وطبيعي بمنطق الحفاظ على هيبة الدولة ومؤسساتها، وفي اطار الحفاظ على سيادتها ووجودها من غزو خارجي متسلح بتسييس القانون . فاذا كان أوكامبو قد طالب بالرئيس اليوم، فان كل رؤوس الدولة قد تكون مرشحة لنفس المصير غدا .
وعلى المستوى الخارجي عربيا وأفريقيا ، فان الدول العربية أكدت دونما مشقة مساندتها للسودان ، وكذلك أعلنت دول اسلامية ، ولكن المتوقع ألا يصمد هذا الحماس العربي (عند احتدام الجد) أمام الضغوط الدولية ، وخاصة الأميركية والأوروبية المعادية للسودان ، وقد سبق اختبار الموقف العربي مرتين في موقفين مشابهين (لوكيربي ومحاكمة صدام ) ، وفي الموقفين تخلي العرب في معظمهم عن ليبيا والعراق .
ومن ثم فان الموقف العربي على المدى الطويل ليس في صالح السودان . بل سيكون عبئا عليه ، حيث سيلجا بعض العرب الى الضغط على السودان استجابة لمطالب أميركية ، ولن تجد بعض الدول العربية غضاضة في القيام بهذا الدور من أجل السمسرة السياسية .أما على المستوى الأفريقي فان المواقف لم تتضح فرادى ، عدا جنوب افريفيا التي ايدت المحكمة ، ودعت السودان الى احترام قراراتها .
وعلى الرغم من الموقف المعلن للاتحاد الأفريقي بشأن رفض موقف الادعاء الدولي ، واعلان التضامن مع السودان ، الا ان الموقف الافريقي الفردي لكل دولة فيه من التفاصيل مايخيف ، خاصة وان علاقات السودان الافريقية تشهد منذ سنوات حالة من التوتر ، لما اتهم به نظامه من العداء للافارقة السودانيين ، سواء في الجنوب أو في دارفور.وتعتبر المواقف الداخلية والعربية و الأفريقية هي الحلقة الأضعف بالنسبة للسودان ، اذا ماقورنت بالمواقف الدولية ، رغم شراسة الضغوط في القضية . واعني بذلك الموقفين الاميركي والأوروبي .
ولم يكن من المتصور للمدعي لويس أوكامبو أن يقدم على اتهام الرئيس البشير ، الا بعد موافقة الولايات المتحدة على وجه الخصوص ، بل هي من حرضته على القيام بذلك ، فهي قد أعلنت عن هذه الخطوة قبل ان يعلنها المدعي العام. ويتفق الاوروبيون ، خاصة بريطانبا وفرنسا ( العضوين الدائمين في مجلس الامن الدولي) بالجملة مع الموقف الاميركي . أما الموقفين الروسي والصيني فلم يخرجا عن حدود القلق من الطلب بمحاكمة البشير ، لكن الصين أضافت على لسان مبعوثها الى دارفور عدم ارتياحها لقيام المدعي العام بارسال رسائل الى بعض أطراف النزاع في دارفور تؤثر على تحركات السلام .
النفوذ والمصالح الصينية
وكانت الصين (الحليف الأول للسودان) قد أرسلت قوة من جنودها الى دارفور ، بعد صدور الاتهام . وهذا يعني الحرص على استمرار نفوذها ، وعلى تسوية الأزمة في دارفور سلميا في اطار المؤسسات والجهود الدولية . لكن الموقف الصيني موزع بين المصالح الدائمة مع الولايات المتحدة بشأن التقارب مع تايوان واتمام الأولمبياد الدولي للألعاب الرياضية ، المقرر افتتاحه في الأيام المقبلة .
فقد تعرضت الصين لضغوط وتهديدات بالمقاطعة مالم تبد مرونة امام واشنطن في بعض الملفات ومنها كوريا الشمالية والسودان وايران ، مقابل تنازل اميركي في تايوان والاولمبياد ، وقد فعلتها الصين .وهذا التداخل الزمني بين الأولمبياد وبين اتهام الرئيس السوداني ، أجبر الصين على المشاركة في اصدار بيان عن مجلس الامن بالاجماع ، تلاه السفير الاميركي لدى المجلس زلماي خليل زاده ، بعد ثلاثة أيام من قرار أوكامبو .
ودعا البيان اطراف النزاع في دارفور إلى التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، في اشارة الى الحكومة السودانية . وهنا مكامن القوة في الموقف الاميركي مقابل الضعف الصيني، لكن ذلك لايعني ان بكين ستتخلى كليا عن الخرطوم ، بل انها ستعمل على التوصل لحلول وسط بين الغرب والسودان .
السودان الآن كدولة في موقف حرج ، وليس من الحكمة ( وسط هذا الضعف العربي والتواطؤ الاقليمي والدولي ) التشبث بمواقف عقيمة ( وفق نظرية على الطلاق) ، فمثل هذه المواقف ( غير المتسلحة بالقوة العسكرية اللازمة) أدت الى تدمير العراق واستنزاف ليبيا ماليا. ان الحكمة تتطلب سرعة التحرك العقلاني على الصعيد الدولي، وفق خطط قانونية وسياسية ودبلوماسية .
لكن هذا مرهون أولا بسرعة تحقيق تسوية سلمية حقيقية في دارفور، لانهاء المبررات التي ساقها أوكامبو الى المحكمة الدولية . ولكن المؤسف أن السودان سوف يجبر - وسط هذه الأجواء - على تقديم تنازلات في دارفور وفي الجنوب وربما في الشرق . وهي تنازلات مؤلمة جدا جدا سوف تمس كيان السودان الواحد والموحد. وهو ماكان من الممكن تجنبه لو كانت الحلول سودانية منذ البداية.
إضاءة
هناك آمال سودانية وعربية أن تتحرك الصين وبعض القوى الدولية لدعم التحركات العربية والأفريقية الرامية الى حلحلة الازمة عبر تسوية على غرار محكمة لوكيربي، تضمن محاكمة المطلوبين أحمد هارون وعلي كشيب، مما يعني استجابة السودان جزئيا لطلب المحكمة الجنائية الدولية ، ومن ثم يمكن بالتالي اسقاط المطالبة بمحاكمة الرئيس عمر البشير.
وعندها أيضا يمكن التعويل على الصين وروسيا في اسقاط الاتهام عن الرئيس أو في تاجيل مطلب المدعي العام ضده لمدة عام. كما يمكن عندئذ مطالبة الولايات المتحدة واوروبا بابداء بعض المرونة.
أحمد الكناني

