في زمن الهوان والضعف والخنوع الذي تعيشه الأمة، أدخل البعض الى القاموس السياسي العربي مقولات استسلامية حول كيفية التعامل مع الكيان الإسرائيلي . منها القول الذي بات مأثورا: أن المواجهة مع إسرائيل لا تفيد وأنها لا تحقق شيئا.. وأن طريق التفاوض «هو الذي يعطيك ما تريد». مثل هذا القول لا يخجل أن يردده البعض كلما تصاعد العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين. وضمنيا القائل يعني أنه لا يلوم المعتدي.. بل المعتدى عليه.

هذا مايحدث دوما عندما تضطر المقاومة العربية الى الدفاع عن نفسها في مواجهة عدوان اسرائيلي مدجج بأحدث أسلحة العصر. وهل ننسى أنه عندما شنت الدولة العبرية عدوانها على لبنان قبل عامين،صوبت بعض التصريحات العربية ضد المقاومة اللبنانية بدلا من تصويبها ضد إسرائيل التي كانت تتبع سياسة الأرض المحروقة وتنسف وتدمر وتقتل بلا مبرر؟

وعن فلسطين،قالوا.. ما جدوى اختطاف جندي اسرائيلي.. وماجدوى صواريخ القسام.. وما جدوى رفض التفاوض مع اسرائيل. القائلون للأسف.. نزعوا أوراق التوت التي تستر الأمة التي كانت حتى بعد نكبة 48 وكارثة 67، تتمسك بحقوقها التي شرعتها المواثيق الدولية.

هل ننسى مقولتنا عندما كنا نتمسك بارادتنا ونسعى الى ازالة آثار نكسة يونيو «ان ما أخذ بالقوة لايسترد بغير القوة».. وهل ننسى ملحمة البطولة خلال معركة الكرامة التي كانت باكورة معارك الشرف بعد 67، وبسالة الضفادع البشرية المصرية، وصواريخ القوارب المطاطية الصغيرة التي شطرت المدمرة الاسرائيلية «ايلات» بعد أربعة شهور فقط من النكسة؟

هل ننسى «اللاءات» العربية الثلاث الشهيرة التي أطلقها العرب في قمة الخرطوم في أغسطس 67؟ قالوا وهم على قلب رجل واحد ..«لا للتفاوض .. لا للاعتراف .. لا للصلح مع إسرائيل »؟ في ذلك الزمان.. كانت هناك ارادة عربية .. عزيمة لاتلين أمام الباطل.. اصرار على الحق واسترداده بكل الطرق. ولم يكن ذلك يعني أننا نريد الحرب.

والا ما كان الذين قرروا خوض حرب استنزاف ضد الاحتلال الاسرائيلي يقبلون بقرار مجلس الأمن 242 ومبادرة روجرز الاميركية. الآن .. الأمة في شقاق. تملك مقومات القوة .. ولكنها نزعت «ارادتها بمحض ارادتها». تملك الثروة.. والبشر .. والعقيدة .. والمستقبل مضمون لها.. وفي الوقت نفسه.. تركن الى الخنوع والخضوع.

ومبررها - كما يقول حملة قاموس الضعف والهوان.. أن ميزان القوة لصالح اسرائيل .. وأنه لاداعي لاستفزازها.والغريب .. أننا قدمنا آخر أوراقنا لاسرائيل باطلاق ما يسمى خيار السلام الاستراتيجي. أي أن هدفنا القريب أو البعيد .. في الحاضر والمستقبل.. هو تحقيق السلام مع اسرائيل تحت ما سمي بمبدأ «الأرض مقابل السلام». صحيح أنه خيار يكشف عن رغبتنا في اقامة السلام العادل والقبول بوجود اسرائيل احتراما لارادة المجتمع الدولي. ولكن الطرف الآخر.. لم يتقدم خطوة واحدة لتحقيق ذلك. تجاهل نداءات السلام العربية.

وصراحة.. علينا ألا نلوم اسرائيل.. فما دمنا قد حشرنا أنفسنا في خانة ضيقة تسمى خيار السلام الاستراتيجي.. وتنازلنا عن أوراق عديدة أخرى بعضها أقوى من خيار الحرب.. فاللوم علينا.لم نفترض على الاطلاق أن اسرائيل سترفض مبادرة العرب السلمية.. فجعلناها خيارنا الوحيد. مع العلم اننا عندما قبلنا قرار 242 ومبادرة روجرز، كانت المقاومة العربية نشطة والارادة حية والعزيمة لا تلين. كانت اسرائيل - مثلا - تبحث عن مخرج لانهاء حرب الاستنزاف.

وقتها.. كانت بدائلنا عديدة. ولاننسى الموقف العربي الذي قاده المغفوران لهما باذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والملك فيصل بن عبد العزيز طيب الله ثراهما. أطلقا سلاح النفط خلال حرب أكتوبر، كإحدى الأوراق القوية الرابحة في المعركة التي أكدت أن العرب يملكون ارادتهم وأقوياء بما يحتفظون به من أوراق تكفي لارغام اسرائيل ومن يساندها بالرضوخ للحق العربي.

ثم هاهي ارادة المقاومة العربية في لبنان.. تنسف مقولة «أسطورة اسرائيل التي لاتقهر». انه فجر عصر جديد.. فهل آن للنائمين في عسل الخيار الاستراتيجي «الوحيد» أن يفوقوا ويستردوا ارادتهم ويسترجعوا أوراقهم المبعثرة؟