يحكى أن شيخ الاسلام العز بن عبد السلام، لما اختلف مع حاكم دمشق الصالح اسماعيل، ضيق عليه المكان. فترك العز ضيق دمشق الى سعة القاهرة، فكرمه ملك مصر الصالح نجم الدين ايوب، وعينه قاضيا للقضاه. ولما انحاز العز الى الفقراء وضيق على المماليك نفوذهم وسلطانهم، ضجوا بالشكوى للملك، الذي ضج منه بدوره، فالمماليك هم عزوته وجنده. فأمر الصالح بعزله من القضاء وألزمه بيته.
ولما ضاقت مصر بابن عبد السلام ركب حماره واتجه عائدا الى الشام. وعندما علم أهل القاهرة بخروجه لحقوا به، حتى كادت تخلو من سكانها. وبلغ الخبر الصالح ايوب، فاسرع بنفسه ومعه حاشيته، يرجوه ويتوسله، ويطلب منه العودة. وبعد استرضاءات واستعطافات وافق العز وعاد.
ما فعله العز بن عبد السلام كان قمة التحرر من أسر المكان، أما ما فعله الصالح نجم الدين أيوب فكان الخضوع لهذا الأسر. وهكذا فان للمكان سلطانه على الإنسان مهما تغير الزمان.
وينبع الأسر أحيانا من حالة اللاوعي. فمثلا قد يخضع إنسان ما لمكان ما. وقد يظل هذا الحال لسنوات أو عقود، لعدم الوعي به . فهذا الانسان مثلا قد يتصور أن مكانه هو الأمثل، لأنه لم يغادره قط، و لم ير غيره، وذلك على غرار ما يحدث مع عمال المناجم والمزارع في بعض الدول. وهنا تصبح قوة المكان قاهرة الى حد الاستعباد. وهذا ما تحرص على تكريسه القوى ذات المصالح العالمية. وخير نموذج عصري لذلك، تلك اللعبة التي يمارسها الغرب على زيمبابوي و السودان، إذ يتم تحويل موقع الرئاسة بكل ماله من قوة وسلطة إلى سجن للرئيس.
إنها لعبة كبرى للسيطرة على الأسواق. وهي لعبة يخضع فيها الإنسان للابتزاز، فإذا ما استشعر ضيق المكان يأتيه الحاخام و معه الخنزير. وهنا يعود الفرد الى سابق قناعاته، بانه في أحسن حال، فيظل عالقا في هذا الفخ، ويواصل حياته معصوب العين والعقل.
هذه الحالة البشرية، استحكمت مع العولمة ، رغم ما تدعو إليه من حرية انتقال الأفراد والاموال، لكن الواقع يكشف أن قوى العولمة تريد الأموال والخامات وليس البشر. ومن ثم فان إنسان اليوم يتعرض لعملية خداع متواصل، تحتاج إلى جهد هائل للتخلص منها. وهذا لا يتأتى إلا عن طريق تطوير الوعي والادراك الفردي والعام. و تلك هي مهمة النخبة الوطنية المثقفة في أي مجتمع.
وكلما اقتربت هذه النخبة من الحقيقة ومن الناس، كلما كان دورها وأدواتها اكثر فعالية و تأثيرا. لكن البعض منها يمارس ازدواجية لنفسه وللخارج، بما يخضع الوطن لقوانين الشركة حسب المفهوم الأميركي، و تلك القوانين لا تعتمد سوى منطق الربح الشخصي، وهنا يصبح الوطن كأي سلعة قابلة للتداول.
إن عبقرية المكان تنبع من عبقرية الانسان، مثلما فعل اليابانيون، وليس من اخضاع الانسان لعبودية المكان. لكن القوى العالمية المسيطرة، بما تمتلكه من أدوات جبارة، تعمل على تكريس لعبة الخضوع، لأن المكان عندها هو أداة سيطرة على الأسواق و المواد الخام، و هو أيضا مصدر تدوير الثروة وجنى الأرباح ، فان لم تتمكن سلما جعلتها حربا، مثلما حدث مع العراق، واليوم يحدث ضد إيران وزيمبابوي والسودان. وهذا الفهم هو ما جعل بعض مفكري وساسة الغرب الجدد يرفضون فكرة الأمة بمعناها القومي، ويعتمدون السوق معيارا وحيدا لها.
إن إنسان الزمن الحالي ليس حرا بقدر كاف، وهو يركب الطائرات، اذا ما قورن بزمن العز بن عبد السلام، الذي كان يركب حماره. وقد يتساوى في ذلك، بدرجة او أخرى، انسان من قطاع غزة، الذي حولته اسرائيل الى سجن كبير، مع انسان من باريس أو من نيويورك. وهي أماكن يحلم الكثيرون بالوصول إليها، ولو سباحة، والعيش فيها، ولو حتى لاجئين. ... وعجبي.
