شهدت العلاقات الباكستانية-الأميركية توتراً في الأيام الأخيرة في أعقاب مقتل عدد من الجنود والمدنيين الباكستانيين في قصف من قوات التحالف والقوات الأميركية المنتشرة في أفغانستان، وتزايد العمليات المسلحة التي تشنها عناصر حركة طالبان ضد قوات التحالف انطلاقا من الأراضي الباكستانية.
فالطرفان يتبادلان الاتهامات بالمسؤولية عن تدهور الأوضاع في المناطق القبلية على الحدود بين باكستان وأفغانستان، حيث تزعم الولايات المتحدة بأن الحكومة الباكستانية لا تبذل جهداً كافياً من أجل منع عناصر طالبان الأفغانية المدعومة بما يسمى بـ «طالبان الباكستانية».
بينما ترى حكومة باكستان أن الأخطاء التي ترتكبها القوات الأميركية في القصف العشوائي للمدنيين تؤدي إلى تأجيج مشاعر العداء لأميركا وتجعل من الصعب على الحكومة الباكستانية فرض سيطرتها على المنطقة ومنع المسلحين من شن عمليات داخل أفغانستان انطلاقاً من باكستان.
وكان رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الأميرال مايك مولين قد زار باكستان، مؤخراً، للتباحث مع قادة الجيش الباكستاني في ضرورة اتخاذ إجراءات للحد من العمليات العسكرية المتزايدة لعناصر طالبان انطلاقا من المناطق الحدودية مع أفغانستان، فيما يبدو على أنه مؤشر على أن الولايات المتحدة توشك على القيام بعمل عسكري داخل الأراضي الباكستانية، بحسب المراقبين.
صدع في العلاقات
إن هذا التحول في العلاقات الباكستانية-الأميركية له مضامين واسعة بالنسبة لما يسمى بالحرب على الإرهاب، وبخاصة داخل أفغانستان التي تعاني فيها قوات التحالف من تنامي الهجمات المنظمة والفاعلة التي تنفذها حركة طالبان ضدها وضد القوات الحكومية الأفغانية. وتكمن جذور هذا الصدع الأخير في العلاقات الباكستانية-الأميركية في طبيعة نظام الحكم في إسلام أباد قبل انتخابات فبراير الماضي وما بعدها- والمقصود الحكومة العسكرية بقيادة الرئيس برويز مشرف والحكومة المدنية الراهنة بقيادة يوسف جيلاني.
وفي حين دعمت كافة الحكومات الباكستانية حركة طالبان في أفغانستان، إلا أنه في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001 اضطرت باكستان إلى التخلي عن طالبان وقدمت الدعم للولايات المتحدة، فأصبحت الحليف الرئيسي لها في حربها على تنظيم القاعدة وطالبان.
غير أن وصول حكومة جديدة إلى سدة السلطة في باكستان أحدث تغييراً جوهرياً في هذه السياسة، بحسب مراقبين أميركيين. فانتخابات فبراير 2008 شهدت نهوض أحزاب سياسية استطاعت أن تحقق الفوز بسبب معارضتها الشعبية لاستمرار الجنرال مشرف في الحكم ولدعمه المتواصل للحرب الأميركية على الإرهاب ولشغله بصورة غير دستورية لمنصبين في آن معاً هما: القائد العام للقوات المسلحة والرئيس.
وقد شعر الرئيس مشرف بخوف شديد من التحديات القانونية لشغله هذين المنصبين، الأمر الذي دفعه إلى إقالة معظم القضاة في المحكمة العليا. ولكن المعارضة الشعبية لهذه الخطوات تعاظمت مما أجبر مشرف على التخلي عن منصب القائد العام للجيش بعد أن دبر فوزه بفترة رئاسية ثانية في نوفمبر من العام الماضي.
وجاءت نتائج انتخابات فبراير لتخيب آمال حزب الرابطة الإسلامية الباكستاني جناح قائد أعظم الذي دعم الرئيس مشرف.
وخرجت ثلاثة أحزاب باكستانية معارضة هي حزب الشعب الباكستاني وحزب الرابطة الإسلامية بقيادة نواز شريف وحزب عوامي الوطني الباشتوني- خرجت منتصرة في الانتخابات وهي الآن التي تملي السياسات الباكستانية بما يتوافق مع تعهداتها في الانتخابات بإنهاء التدخل الأميركي في الشؤون الداخلية الباكستانية.
وهذا يوجد صدعاً في العلاقات الباكستانية-الأميركية. وهذا الصدع تعمق في منتصف شهر مايو الماضي عندما أطلقت طائرة أميركية بلا طيار صواريخ على منزل لأحد قادة طالبان في المناطق القبلية الواقعة شمال غرب باكستان.
والأمر الذي زاد من قلق الولايات المتحدة هو قيام الحكومة المدنية الجديدة في باكستان بعقد اتفاقيات سلام مع طالبان باكستان تقضي بإطلاق سراح العشرات من مقاتلي الحركة المحتجزين في السجون الباكستانية مقابل الإفراج عن جنود باكستانيين كانوا محتجزين لدى حركة طالبان.
وفي الواقع أن الولايات المتحدة وغالبية المجتمع الدولي لا ترغبان بأن تقوم الحكومة الباكستانية بعقد اتفاقيات سلام مع طالبان، لأنها تتضمن في الغالب منح المزيد من السيطرة لطالبان وإطلاق سراح مقاتلي الحركة المحتجزين الذين يصبحون أحرارا في اجتياز الحدود إلى أفغانستان ومقاتلة قوات الناتو والقوات الأميركية.
وفي الوقت نفسه، فإن الحكومة الجديدة لا تريد للولايات المتحدة أن تتدخل بأي شكل في الشؤون الداخلية للبلاد.
وفي الآونة الأخيرة تصاعدت المعارضة الباكستانية للهجمات الأميركية على أهداف داخل باكستان معتبرة ذلك اعتداء على السيادة الباكستانية. في الحالات المماثلة في السابق، كانت السياسة الباكستانية تقضي بتجاهل هذه الهجمات من حليف قوي ومهم كالولايات المتحدة.
وكان رد فعل حكومة مشرف على مثل هذه الهجمات يقتصر في أحسن الأحوال على الاحتجاج على سقوط ضحايا مدنيين. أما الآن فإن رد الفعل أصبح مختلفاً مع التغيير في النظام الحاصل في باكستان.
تغيير مصحوب بالارتباك
إن التغيير غالباً ما يكون مصحوباً بحالة من الارتباك والتشوش، وهذا هو حال الحكومة الباكستانية الجديدة التي بدت في حيرة من أمرها إزاء أسلوب الرد على التدخلات الأميركية والهجمات عبر الحدود، ففي أعقاب هجوم مايو الماضي، بدا الارتباك واضحاً من تصريحات وزارة الخارجية الباكستانية التي نفت في البداية وقوع هذا الهجوم قبل أن يقوم رئيس الوزراء الجديد يوسف جيلاني بإدانته بقوة قائلاً: «باكستان تدين هجوم باجور.
فالسياسات الأميركية ليست جميعها عملية، ولا نستطيع التصرف بناء عليها». إن هذا التصريح لم يقصد منه فقط إدانة الاعتداء الأميركي في باجور وإنما كان يؤشر إلى أن باكستان لن تقبل كل ما تطلبه أميركا.
أما فيما يتعلق بحركة طالبان، فقد كان موقف الحكومة الجديدة واضحاً على لسان جيلاني عندما خاطب البرلمان عقب توليه منصبه قائلاً: «الإرهاب عرض البلاد للخطر. وإنهاء الإرهاب سيكون على رأس أولوياتنا. بعض الناس تم جرهم إلى طريق العنف وعليهم أن يتخلوا عن هذا الطريق. ونحن مستعدون لإجراء محادثات مع هذه القوى( أي طالبان)».
هذه السياسة الباكستانية الجديدة في التعامل مع طالبان عبر التفاوض معها تنبع من الاعتقاد بأنها الوسيلة المثالية لإنهاء التفجيرات والهجمات الانتحارية التي زعزعت الاستقرار الداخلي في باكستان خلال السنوات القليلة الماضية.
وهذا الاعتقاد لا يجد تأييداً من أميركا وأفغانستان اللتين تقولان إن السياسة الجديدة التي تتبعها حكومة جيلاني ستؤدي عملياً إلى تعزيز قدرات المسلحين من حركة طالبان في المناطق الحدودية القبلية.
من الواضح لدى كثير من المحللين أن هناك حسابات أخرى للحكومة الباكستانية غير الوضع الداخلي هي التي تدفعها لعقد اتفاقيات مع طالبان أو لعدم مواجهتها إن لم يكن تقديم الدعم الخفي لها، وأبرز تلك الحسابات هو تنامي نفوذ الهند، العدو التاريخي لباكستان، في أفغانستان.
فأجهزة المخابرات الباكستانية ترصد بقلق ما تقوم به الهند في الجوار الباكستاني، حيث تقدم مساعدات تنموية كبيرة للحكومة الأفغانية هي الأكبر من نوعها بالنسبة للهند في الخارج وتقوم بنشاطات استخبارية على الحدود الشمالية لباكستان.
ومن هنا جاءت الإشارات شبه الصريحة في تصريحات الرئيس الأفغاني حامد قرضاي عن تورط أجهزة مخابرات إقليمية في تنفيذ الهجوم الذي استهدف السفارة الهندية في كابول وراح ضحيته أكثر من 50 شخصاً.
انطلاقاً من الأهمية الاستراتيجية لباكستان بالنسبة للحرب الأميركية على الإرهاب، والتاريخ الطويل من علاقات التحالف بين البلدين التي تمتد لأكثر من ستة عقود، فإن الولايات المتحدة لن تسمح بحدوث تغير جوهري في السياسات الباكستانية ولا بتدهور العلاقات الثنائية على نحو يضر بالمصالح القومية الأميركية ولديها من الخطط الجاهزة ما يكفل لها حماية مصالحها على المدى البعيد.
ولا أدل على ذلك من مقولة النائب السابق لوزيرة الخارجية ريتشارد ارميتاج: «إذا لم تنجح أفغانستان، فإن باكستان لن تنجح كدولة إسلامية معتدلة».
