تتشابه إلى حد كبير أزمتا «كركوك» العراقية و«إبيي» السودانية ، ويجمع بين الأزمتين التنازع الطائفي، وإن اختلفت الأعراق والطوائف كما يجمع بينهما احتواء كل منها على الثروة النفطية لتتحول النعمة إلى نقمة، مما يتسبب في زيادة الأطماع التنازع عليها بفعل التدخلات الأجنبية .

وحول أسباب تفاقم الأزمتين ومدى تشابهما ، يؤكد الخبير الإعلامي والاستراتيجي العراقي حازم العبيدي أن أزمة كركوك ليست وليدة اليوم، وإنما كانت دائما محط الأطماع سواء في الداخل أو الخارج لما تتمتع به من قدرات نفطية هائلة ولكن الجديد هذه المرة أن المطالبة بالانفصال تأتي في سياقات محلية وإقليمية ودولية مختلفة عما كانت عن ذي قبل.وأضاف أن القضية عادت للظهور عندما أعلن الأكراد في كركوك عن رغبتهم في وضع نظام فيدرالي في العراق يضمن استقلال كركوك عن العراق وضمه لاحقا إلى إقليم كردستان. بحيث ينص الدستور العراقي الجديد المزمع وضعه على هذا المطلب باعتباره يتناغم مع مطالب الأكراد وحقوقهم المشروعة في الإقليم وقد أخذت القضية طابعاً رسمياً حامياً ، حينما تقدم ممثلو الأكراد الخمسة في مجلس الحكم العراقي بمشروع قانون ينص على إنشاء اتحاد فيدرالي في العراق بحيث تُضم فيه كركوك إلى المنطقة الكردية، وذلك دون انتظار حتى صياغة الدستور العراقي الجديد.

وأوضح العبيدي أن النص الذي تقدموا به يقر بأن المناطق الكردية تشمل محافظات دهوك وأربيل والسليمانية التي يسيطر عليها الأكراد منذ العام 1991 إضافة إلى كركوك وأنحاء كردية في محافظة ديالى والموصل كما يطرح المشروع «إقامة عراق فيدرالي برلماني» يوضح «طبيعة العلاقات بين العاصمة ومناطق كردستان».

وأشار العبيدي إلى وجود عدة دوافع وراء مطالب الانفصال الكردية تتعدى مجرد المطالبة بالحق التاريخي في كركوك أولها الثروة النفطية الهائلة التي تغري كل طامع للحصول على دور في مستقبل الخريطة النفطية العالمية وليس في العراق فحسب، وذلك من خلال الحصول عليها ، ودائما ما رغب الأكراد في الحصول على حصة عادلة من عائدات النفط تتناسب وعددهم من مجمل عدد العراقيين.

بل ويأمل الأكراد في أن ترتفع حصتهم من عائدات النفط من 13 فى المائة يحصلون عليها الآن إلى 25 فى المائة أو أكثر، وثانيا تشكل كركوك موقعا إستراتيجيا هاما يغري كل طامع في لعب دور إقليمي مؤثر في سياسات القوى الإقليمية الكبرى مثل سوريا وتركيا وإيران، وثالثا تلعب مسألة كركوك دورا هاما بالنسبة للأعضاء الأكراد في الحكم.

حيث تعد ورقة لعب هامة في أيديهم للضغط على بقية الأعضاء، وإدارة الاحتلال لتحقيق مكاسب سياسية شخصية تتعدى حلم الوحدة الكردية الوطنية كما يدعي البعض، وأخيرا فإن الاحتفاظ بكركوك يعني للأكراد الاحتفاظ بدور حيوي في الشأن العراقي خاصة في المستقبل القريب وبعد عودة الأمور لمجاريها بافتراض حدوث ذلك.

والأمر لا يختلف أيضا كثيرا فيما يتعلق بأزمة كركوك في شمال الأمة العربية والتي يعتبرها كثيرون بوابة العرب الشمالية الشرقية.. عما يحدث في منطقة آبيي بجنوب السودان والتي تعد في المقابل بوابة العرب الجنوبية وهمزة الوصل بين العرب والأفارقة ونقطة الانطلاق إلى القارة السمراء .

ومن جانبه يؤكد مدير إدارة أفريقيا والتعاون العربي الأفريقي بالجامعة العربية السفير سمير حسني على تشابه الأزمتين من حيث الأسباب والنتائج والآثار المترتبة عليهما، والتي يمكن أن تعصف بوحدة واستقرار اثنتين من أهم وأكبر الدول العربية وهو ما يهدد قوة العرب ووحدتهم واستقرارهم وانفراط العقد العربي.

وأشار إلي أن منطقة أبيي تقع غرب منطقة كردفان في السودان وتحدها شمالا المناطق التي تسكنها قبيلة المسيرية وجنوبا بحر العرب القريب منها ويعيش فيها مزيج من القبائل الأفريقية مثل «الدينكا» والعربية مثل «المسيرية» و«الرزيقات»، ويدعي كل طرف سيادته التاريخية على المنطقة ويصف الآخرين بالغرباء.

وأشار إلى أن أسباب مشكلة إبيي تكمن في بروز خلاف بين طرفي اتفاق السلام حزب المؤتمر الوطني والجبهة الشعبية لتحرير السودان حول تقرير لجنة ترسيم حدود أبيي فالحركة الشعبية ترى انه اتفاق نهائي ملزم لا يجوز رده والرجوع عنه بينما ترى الحكومة أن الخبراء تجاوزوا التفويض الممنوح لهم.

وقال السفير سمير حسني إن شريكي السلام قد حاولا حل الخلافات حول أبيي بالاتفاق على تشكيل إدارة منطقة أبيي وفقاً لاتفاقية السلام الشامل والعمل لحل المشكلة على أسس سياسية، واهم المبادئ .

التي جاءت في برتوكول الاتفاق حول أبيي أكدت على أن أبيي هي جسر بين الشمال والجنوب ويشمل الأقليم تسع مشيخات من دينكا حولت إلى كردفان في عام 1905 وتحتفظ المسيرية والجماعات الرعوية الأخرى بحقوقها التقليدية في الرعي والتحرك عبر أراضي أبيي.

وأوضح أنه بتوقيع اتفاقية السلام منحت أبيي وضعاً إدارياً خاصاً ويديرها مجلس تنفيذي محلي ويوزع صافي عائدات بترول أبيي في الفترة الانتقالية على 6 حصص حيث تحصل الحكومة القومية على 50 فى المائة وحكومة الجنوب على 42 فى المائة وبحر الغزال على 2 فى المائة وغرب كردفان على 2 فى المائة ومحلية دينكا نقوك على 2 فى المائة ومحلية المسيرية على 2 فى المائة على أن يتم نشر مراقبين إلا أن الطرفين لم يلتزما بالاتفاقية نظرا لوجود تدخلات خارجية وظهور البترول بكثرة في المنطقة وهو ما أسال لسان الطرفين .

إضاءة

الخلاف بشأن كركوك وابيي قديم ، لكن الجديد هذه المرة هو التوجه نحو الانفصال ، سواء من جانب الأكراد أو من الجنوب السوداني ، حيث يتهيأ كل من الأكراد والسودانيين الجنوبيين لاستفتاء يحدد شكل ومستقبل المنطقتين ، وسط ظروف دولية تساعد على ذلك . وفي كل الأحوال تميل التمنيات من الطرفين إلى الانفصال ، كما تجري الاستعدادات في هذا الاتجاه.

وتأتي تلك المطالب في سياقات أطماع محلية وإقليمية ودولية مختلفة عما كانت عن ذي قبل ، من حيث ضعف الدولة الوطنية واستقواء نزعات الانفصال، وسط تحريض دولي من جانب الولايات المتحدة الأميركية.