إذا توفر عنصر واحد فقط من العناصر المكونة للصراع في منطقة كردستان العراق، فإنه كفيل بإشعال نار حرب ضروس لا تبقي ولا تذر، فكيف يكون الحال إذا اجتمعت كل تلك العناصر أو بعض منها.
أربعة عناصر باتت معروفة للقاصي والداني هي تقاسم السلطة، تقاسم الثروة، إنشاء كيان قومي للأكراد والاعتراف بحقوق قوميات أخرى وتقاسم الأراضي المحاذية لما يسمى إقليم كردستان العراق ولا سيما الغنية بالنفط منها. أما إذا أضيف لكل لهذا المشهد المتأزم عوامل أخرى تتعلق بمصالح أطراف إقليمية ودولية عدة ، فإن الطامة لا محال أكبر وأشد وطأة بكل تأكيد على المديين المتوسط والبعيد، لكنها قد تبدو شدتها أقل وطأة على المدى القصير لما تنطوي عليه من مقومات قادرة بحكم موازين القوى على تأجيل إنفجارات كبيرة ستظل تجدد آليات ديمومتها طالما يفتقد العراق إلى حكومة مركزية قوية مستقلة واثقة من نفسها بطريقة تبعدها عن كونها حجر بيدق في رقعة شطرنج يتجاذبه هذا الطرف الإقليمي أو ذاك الطرف الدولي.
على الرغم من كافة الامتيازات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تتمتع بها حكومة إقليم كردستان، حيث لديها كيان سياسي مستقل إلى حد كبير عن دولة العراق المركزية ولديها برلمانها الخاص وتتصرف بثرواتها واقتصادها كما يحلو لها، فضلا عن اعتمادها على جيش جرار بعديده وعتاده حقيقي من قوات'' البشمركة''-الفدائيون- وشبكة من أحسن العلاقات السياسية والدبلوماسية مع الكثير من دول العالم.
إلا أنها لا تأل جهدا في محاولاتها لتوسيع رقعة أراضيها وحدوها مع الأقاليم العراقية الأخرى دائما باتجاه الداخل العراقي بصورة حصرية، متناسية أن الأكراد، يعيشون على أراضي ثلاث بلدان مجاورة أخرى هي تركيا، إيران وسوريا، وغير آبهة كثيرا بالمناطق الكردية التي لا يكتنز باطن أراضيها كميات كبيرة من الطاقة.
جذور المشكلة الكردية تمتد عميقا في تاريخ المنطقة إلى ما قبل التاريخ ، علما بأن كردستان لم تشكل بلدا مستقلا له حدود سياسية معينة في يوم من الأيام.
لكن معالم القضية الكردية المعاصرة بدأت تتكشف مع النتائج التي تمخضت عنها معركة'' جالديران'' التي اندلعت في عام 1514بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية اللتان تقاسمتا منطقة كردستان فيما بينهما، ومن ثم عقدت الدولة العثمانية اتفاقية في عام 1515 مع أمراء الأكراد تعترف بموجبها بسيادتهم على كردستان مع بقاء الحكم الوراثي فيها ومساندة الأستانة لها مقابل دفع الجزية في إطار الدولة العثمانية.
وسجلت هذه الاتفاقية نقطة مفصلية تاريخية بالنسبة للكرد إذ أنها تنطوي على اعتراف الدولة العثمانية بحكم ذاتي للأكراد، لكن هذا الوضع لم يدم طويلا بعد أن قامت الدولتان الصفوية والعثمانية عام 1555 بالتوقيع على اتفاقية أخرى أطلق عليها اتفاقية '' أماسيا''، التي تعد أول اتفاقية رسمية بين البلدين، والتي كرست تقسيم كردستان وفق وثيقة رسمية رسمت الحدود بين الدولتين لا سيما في مناطق شهروز وقارص وبايزيد وهي مناطق كردية صرفة.
على الرغم من أن اتفاقية '' أماسيا'' لم تكن الوحيدة التي تم التوقيع عليها بين العثمانيين والصفويين، إلا أن الاتفاقيات الأخرى بينهما لم تغير في الوضع الرسمي لمنطقة كردستان شيء يذكر، إذا أنها جميعا أكدت على مسألة الحدود وفق ما نصت عليه الاتفاقية الأولى.
مثلها مثل معظم القضايا الأخرى المتعلقة بحق تقرير المصير والتي عادة ما تخلفها الحروب والصراعات الدولية، فإن المشكلة الكردية كانت على موعد تاريخي هام إثر مرض الرجل العثماني الهزيل والهزيمة التي لحقت بالدولة العثمانية وحليفتها ألمانيا على يد الجيوش الفرنسية والبريطانية والروسية وتقاسمهم لممتلكاتها.
فكانت اتفاقية سايكس بيكو عام 1916، التي قسمت التركة الجغرافية للإمبراطورية العثمانية وأعطت منطقة الشرق الأوسط الشكل الذي نعرفه الآن، ومن الطبيعي أن يكون لمناطق الأكراد نصيب الأسد في هذه الاتفاقية الدولية الخطيرة لأن جل الأراضي الكردية كانت تقع تحت السيطرة العثمانية، الأمر الذي أرجأ محاولات تحريك القضية الكردية إلى إشعار غير مسمى.
لكن دخول الولايات المتحدة على الخط أنعش الطموحات الكردية في تقرير المصير بعد ظهور مبادئ ولسون الخاصة بحق الشعوب في تقرير مصيرها بالتزامن مع انعقاد مؤتمر الصلح في باريس عام 1919، فضلا عن ما قاله رئيس المؤتمر جورج كليمنصو:'' إن الحكومة التركية ليست قادرة على إدارة الأمم الأخرى ولا يجوز أن تعاد إلى سيطرة الأتراك قومية عانت من مظالمهم واستبدادهم''.
المحطة الثالثة في تاريخ هذه المشكلة تمثلت في معاهدة '' سيفر'' التي أبرمها الحلفاء في باريس عام 1920، ويعتبرها الأكراد مفصلا حيويا في تاريخ مشكلتهم ، فلقد نصت على ضرورة حل هذه المشكلة على مراحل يتوقف التقدم فيها على مسلك الأكراد ومقدرتهم على اجتياز تلك المراحل.
كما طالب الحلفاء باستقلال المناطق الكردية عن الدولة التركية، وبذلك سجل أو اعتراف دولي بحقوقهم، لكن كمال أتاتورك مؤسس الدولة التركية الحديثة اعتبر المعاهدة بمثابة حكم بالإعدام على بلاده فوقف ضدها بكل قوته وحال دون تطبيقها، فتراجعت أطراف معاهدة سيفر وأبرمت اتفاقية لوزان عام 1923، التي صبت في صالح مشيئة تركيا الأتاتوركية إثر الانتصارات التي أحرزها الجيش التركي على اليونان.
لكن لا شك بأن اتفاقية سايكس بيكو دون غيرها هي التي قسمت ظهر القضية الكردية ووضعتها على الرف، بعد أن كرست تلك الاتفاقية المشؤومة القطرية وهشمت العنصر الجغرافي الموحد للأكراد مرة وإلى الأبد، بعد أن أصبح من الطوباوية بمكان الحديث عن محاولة العودة عن مفرزات تلك الاتفاقية الاستعمارية في المدى المنظور في ظل موازين القوى القائمة حاليا في العالم والراجحة لصالح القوى التي صممت بنود تلك الاتفاقية على مقاسها ولأجل مفتوح، بطريقة لا تسمح بأن تقوم لشعوب المنطقة أي قيامة حتى تفرغ من نهب ثرواتها وحتى تكف عن كونها تشغل موقعا استراتيجيا حيويا في الخارطة الجيوسياسية الدولية.
قد يتراءى للحزبين الكرديين الرئيسيين اللذان يعتليان سدة الحكم في إقليم كردستان العراق في الوقت الحالي أن الغزو الأميركي للعراق عام 2003 واحتلال أراضيه وحل الدولة المركزية وإعادة تشكيلها على مقاس المصالح الأميركية في المنطقة يصب في مصلحتهم ويساعدهم على تثبيت كيان قومي خاص بهم، لكن الواقع السياسي الذي خلفه هذا الغزو يشير إلى أن اللحظة التي وطأت فيها قدم أول جندي أميركي أرض الرافدين سجلت لحظة فاصلة لها ما قبلها وما بعدها، ففي حين كانت القضية الكردية تتماثل في عيون العرب مع قضيتهم المركزية فلسطين من حيث القداسة وحقوق الشعبين التاريخية المشروعة.
جاء موقف هذين الحزبين الداعم لاحتلال العراق والمشارك في العمليات اللوجستية والقتالية إلى جانب القوات الأميركية ليفتح ثغرة عميقة في جدار العلاقات الأخوية الكردية- العربية سيصعب ردمها في المدى المنظور، بعد أن صنع الأكراد لأنفسهم من خلال هذا الدعم الأعمى، عدوا جديدا لا يستهان به ساعة الحديث عن علاقات حسن الجوار.
كما أن الزعامات الكردية التقليدية، التي تتوارث مكانتها ومناصبها كما يتوارث الملوك العروش، واهمة عندما تنسى أو تتناسى أن مصير الكيان الكردي، بعد الغزو الأميركي للعراق وقبله، يبقى عالقا بين فكي كماشة الضغط عليهما يتم بشكل معاكس للحيلولة دون إطباقهما على بعض بحيث يشكلان خطان متوازيان لا يمكن أن يلتقيا أبدا.
الفك الأول يمثله الاحتلال الأميركي نفسه المستعد تماما للسير مع الأكراد إلى ما لا نهاية بما في ذلك إنشاء كيان سياسي مستقل تماما عن السلطة المركزية في بغداد حتى لو اخذ شكل دولة ذات سيادة، في حين يستميت الفك الثاني ممثلا بتركيا للحيلولة دون نفاذ هذا التوجه الانفصالي الخطير محاولا الإبقاء على المسافة ذاتها بين فكي الكماشة.
بحيث يبقى الكيان الكردي على ما هو عليه حتى إشعار آخر، مع الأخذ بعين الاعتبار أن لغة المصالح وحقائقها على الأرض تشير بقوة إلى أن الولايات المتحدة ستحسم موقفها لصالح الأتراك إذا وجدت نفسها أمام امتحان المفاضلة بين شركائها الاستراتيجيين في حلف الناتو وبين الأكراد.
وزيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الأخيرة إلى بغداد تأتي لتثبت صحة هذا التحليل بما لا يدع مجالا للشك حول مدى قوة السلطات التركية ونفوذها في المنطقة وحول أهمية الموقف التركي ساعة وضع الأمور في سياقاتها الرسمية، فلقد حصدت زيارة أردوغان لبغداد أكثر مما توقع الأتراك أنفسهم في ميادين الأمن والسياسة والنفط والمياه عن طريق إنشاء '' المجلس الأعلى للتعاون الاستراتيجي بين العراق وتركيا''.
كما جاءت كلمات رئيس الوزراء التركي أكثر من مطمأنة بالنسبة لبلاده عندما قال في ختام هذه الزيارة التاريخية: ''حصلنا على دعم الحكومة المركزية في العراق وحكومة اقليم كردستان في الحرب ضد حزب العمال الكردستاني''.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا هو:'' إلى متى سيتمكن الحزبين النافذين في اقليم كردستان من إدارة الظهر لأبناء جلدتهم في الأحزاب الكردية الأخرى؟
ثم ماذا عن مصير أشقائهم في إقليم كردستان إيران، إذا صح التعبير؟ ولماذا يعلوا صوت الأكراد في سوريا على ما عداه من أصوات رغم أنهم لا يمثلون سوى أقلية ضئيلة جدا من أبناء جلدتهم من السوريين؟
المشكلة الكردية لا تختلف البتة من حيث المنشأ والصيرورة عن بقية مشكلات الأقليات العرقية والدينية والقومية التي تركتها القوى الاستعمارية التقليدية الكبرى عمدا في النصف الأول من القرن الماضي شوكة في حلوق شعوب المنطقة، لم تطلق عليها رصاصة الرحمة لكنها في الوقت نفسها لم تيحها تماما.
بل أبقتها في غرفة العناية المشددة متحكمة بسبل بقائها على قيد الحياة، تزيد من جرعة الأوكسجين أو تنقصها في رئتي هذه المشكلة أو تلك حسب متطلبات اللحظة السياسية، الأمر الذي ينعكس سلبا أو إيجابا على العلاقة الجدلية القائمة بين الدولة المركزية والأقاليم التابعة لها، التي تتحدد وجهة بوصلتها وفق موازين قوى إقليمية ودولية صارمة.
كلما ضعف المركز اشتد عود الأقاليم والعكس خاصة في حال توفر الدعم الخارجي الذي عادة ما يوفر الحاضنة الدافئة لنمو التناقضات في كنف هذه معادلة باتت قوانينها تحكم في غير مكان من هذا العالم الفسيح.
إضاءة
كان نظام صدام حسين الطرف الأكثر كرما وسخاء مع الأكراد، في ظل حكمه البائد فقط حصلوا على حكم ذاتي واسع النطاق، وشكلوا كيانا سياسيا خاصا بقوميتهم بما في ذلك برلمانهم الخاص وحكومتهم الإقليمية الخاصة والتحكم بثروات أراضيهم واقتصادهم الخاص.
وكل ما يتمتع به سكان الإقليم من انجازات في الوقت الحالي ليس هبة الاحتلال الأميركي في العراق، وإنما انجازات تحققت في ظل حكم نظام عربي يعتبره الأكراد ألد أعدائهم على الإطلاق.
باسل أبو حمدة

