عجيب أمر المدعو لوي مورينو أوكامبو المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية. ضميره يقظ ومبصر في دارفور. وفي حالة غيبوبة تامة عما يجري في فلسطين التي تئن من وطأة احتلال يرتكب شتى الموبقات والجرائم التي تتولى أمرها المحكمة الموقرة التي ينتسب اليها.

كلنا ندرك أن إقليم دارفور السوداني يعيش مأساة انسانية مفجعة، وأن من واجب المجتمع الدولي المشاركة في رفع المعاناة عن هذا الأقليم. ولكن دارفور وحدها هي الشغل الشاغل لتلك المحكمة.

أين تلك المحكمة من الجرائم التي ترتكب في دول أخرى. وما يعنينا هنا هو فلسطين المغتصبة؟

قد يقول قائل إن اسرائيل ومعها ولية نعمها الولايات المتحدة، استثنيا من تنفيذ أي التزام تطالب به المحكمة، بعد أن سحبتا توقيعهما على قانونها عام 2002 وبالتالي ليستا عضوين فيها.

السودان.. أيضا لا يخضع لولاية المحكمة، لأن الخرطوم - كما قال عبد الله علي مسار مستشار الرئيس السوداني - لم تصادق على ميثاق تأسيسها، وليس من حق المحكمة التي رفض السودان صلاحيتها في التعامل مع قضية دارفور، أن تطلب تسليم سودانيين أو محاكمتهم.

واذا كان المدعو أوكامبو يرى غير ذلك، وأن ملف دارفور من اختصاصه، فنحن نذكره بأن الجرائم التي تخضع لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية اذا كان يصر على تطبيقها ؟ حتى دون أن يكون له صلاحية في ذلك - من باب أولى أن تطبق على الكيان الاسرائيلي الذي يمارس ارهاب الدولة ويحترف كل فنون القتل والتدمير والتمييز.

الجرائم التي تخضع لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية هي أربع : الإبادة الجماعية..الجرائم ضد الإنسانية.. جرائم الحرب.. جرائم العدوان.

فهل اسرائيل لم ترتكب واحدة من تلك الجرائم في الماضي أو حتى الحاضر؟

نسأل الفقيه أوكامبو: هل الحصار الوحشي الذي تفرضه اسرائيل على قطاع غزة من حين لآخر ليس بأذى شديد(والأذى الشديد هنا يندرج تحت الجرائم التي تختص بها المحكمة).

- وهل القتل العشوائي الذي تلجأ اليه الدولة العبرية من حين لآخر ويروح ضحيته العشرات من الاطفال ومنهم الرضع، لاتنص عليه قوانين المحكمة؟

أليس الجدار العنصري الفاصل الذي أقامه اريل شارون سفاح صبرا وشاتيلا وجنين وغيرها، جريمة من جرائم التفرقة العنصرية؟

يبدو أن أوكامبو لم يسمع شيئا عن الجدار، ولا عن قرار محكمة العدل الدولية الذي صدر منذ أربع سنوات والذي ينص على عدم شرعيته ؟ ويا لمحاسن الصدف! .. فقد أطلق أوكامبو صرخاته وادعاءاته ضد الحكومة السودانية في نفس توقيت ذكرى قرار محكمة العدل بشأن جدار شارون!

وياليت أوكامبو يقرأ البيان الذي أصدرته الأمم المتحدة الأسبوع الماضي. اذ أكد على أن الجدار العازل مدمر لحياة آلاف الفلسطينيين، لأنه يعزلهم عن أماكن عملهم وأراضيهم والخدمات الأساسية التي يحتاجونها، وبسببه اضطر المزارعون الفلسطينيون وأسرهم أن يعيشوا شتاتا بين جزئين من الجدار.

وحاليا تم بناء 60% منه ، واذا ما استمر البناء ؟ كما تقول الامم المتحدة - فالمعاناة الفلسطينية ستتفاقم الى حد خطير الى درجة أن لا تظهر الى الحياة دولة فلسطينية حقيقية واضحة المعالم.

لايكذب من يقول إن محكمة أوكامبو، تحمل أجندة سياسية تمارس من خلالها سياسة المعايير المزدوجة أو «الكيل بمكيالين». لقد تجاوز حدوده وشبه في كلمة له امام جلسة لمجلس الامن الشهر الماضي سلوك الحكومة السودانية بشأن دارفور بسلوك العهد النازي في المانيا.

ياله من ضمير يقظ يتمتع به أوكامبو ومحكمته التي تدعى بأنها مبصرة لما يجري في دارفور. ولكن أليست محكمته في حالة غيبوبة متعمدة لما يجري في مناطق أخرى في العالم، وبالتحديد في فلسطين التي تتعرض لنفس الأسلوب النازي الذي تطبقه إسرائيل؟!