موقف الغرب مما يجري في زيمبابوى هذه الأيام، هو موقف استعماري عنصري بامتياز. فالغرب لا يهمه أن تكون زيمبابوي ديمقراطية أو ديكتاتورية، لأن كل

ما يهمه هو مصالحه وفقط.

الأزمة الجارية بين رئيس زيمبابوى روبرت موجابي والغرب لا تخرج عن هذه المعادلة ، حيث بدأت عندما أنهى موجابي سيطرة المستوطنين الأوروبيين على ثروات البلاد ، من خلال مصادرته الأراضي الزراعية وإعادتها إلى مواطني البلاد، وهنا قامت ثائرة الغرب.

نعم قد يكون موجابي ديكتاتورا، وقد تكون زيمبابوي منهارة اقتصاديا، ولكن ذلك ليس مما يهم الغرب، لأن عشرات الحكام الطغاة والمستبدين كانوا صناعة غربية، والقائمة حافلة بأسماء من نوعية : ديكتاتور تشيلي الدموي الجنرال أوغستو بينوشيه، وسفاح نيكاراجوا الجنرال انستازيو سوموزا، وكذلك شاه إيران الراحل محمد رضا بهلوي ، وموبوتو سيسي سيكو رئيس زائير. كل هؤلاء وغيرهم حظوا بمساندة الغرب ودعمه حتى الرمق الأخير ، رغم أنهم كانوا عتاة في الاستبداد.

فالمهم عند الغرب مدى تحقيق الديكتاتور لمصالحهم ، فان سخر دمويته واستبداده من أجلها ، وسعى للحفاظ عليها واستمرارها. كان في عيونهم الديمقراطي العادل ، والملاك الرحيم المتفاني في خدمة شعبه.

اذا كان الغرب ديمقراطيا ، ومهموما - كما يزعم- بالدفاع عن الديمقراطية في العالم، فلماذا يسكت الآن عن عشرات الديكتاتوريين، و في أفريقيا خاصة ؟ هؤلاء الديكتاتوريون الذين وصل بهم الاستبداد والفساد إلى حد بيع الأوطان على قارعات الطرق، في لندن وباريس ونيويورك ، وتكوين المليارات من وراء ذلك، حتى تحولت هذه الأوطان إلى خرائب ، لا يجد فيها أهلها كسرة خبز أو شربة ماء.

ان سبب سكوت الغرب عن هؤلاء هو أنهم يبيعون الأوطان له، أما موجابي فلم يفعلها حتى الآن ، لانه قائد تاريخي و مناضل ثوري حرر بلاده بالسلاح من أيدي المستعمرين البريطانيين .

إن ما يجري ضد زيمبابوي، يجري أيضا لأسباب متقاربة ضد إيران ، و ضد سوريا ،وضد السودان، وضد كوريا الشمالية، وسيجري مستقبلا ضد دول أخرى كثيرة، بأشكال متنوعة، ولأسباب مختلفة .

ذلك لأن العالم يشهد الآن موجة جديدة من الاستقواء الغربي. وهذه الموجة تمثل عودة جديدة وقوية للاستعمار، الذي يتخذ عدة أشكال وطرق منها : الشكل التقليدي القائم على الاحتلال العسكري المباشر ، مثل حال العراق وأفغانستان. والاستعمار الاستيطاني مثلما هو حال فلسطين.

والاستعمار بالقانون المتسلح بقرارات مجلس الأمن والمحاكم الدولية ، مثلما يجري مع السودان. والاستعمار الاقتصادي المتطلع للسيطرة على ثروات الشعوب. و النوعان الاستيطاني والاقتصادي من الاستعمار هما ما يحاول موجابي التخلص منه ، لضمان تحقيق الاستقلال الكامل لبلاده. وهذا سبب الجنون الغربي .

إن عملية توسيع الحلف الأطلسي شرقا وغربا، ومحاولة فرنسا العودة إليه، ونشر الدرع الصاروخية، هي تحركات عسكرية تتم في إطار محاولات السيطرة الاستعمارية الغربية على العالم، خاصة الدول المستضعفة .

وليس في العالم

ما يعوق هذه التحركات إلا قوتين هما: الدول المناوئة للغرب من منطلق تعارض المصالح ، وحركات المقاومة العربية الاسلامية ممثلة في : المقاومة الفلسطينية ، وحزب الله اللبناني، والمقاومة العراقية. فلولا هذه القوى الممانعة لاجتاح الغرب العالم مستعمرا، وعاود جرائمه وقذاراته بحق الشعوب.

خاصة العرب، في ظل وجود إسرائيل. وهو يسعى لممارسة ذلك فعلا الآن، من خلال مؤامرة التجويع ضد الجميع، ولذا - نحن العرب - مطالبون باحتضان حركات المقاومة العربية، بنفس القوة التي يسعى بها الواحد منا لتأمين لقمة عيشه، ورغيف خبزه اليومي، وإلا فسوف نصبح جميعا لقمة مستباحة على موائد الغرب عموما، ومائدة اسرائيل على وجه الخصوص .