من المقرر أن يعلن بعد غد الأحد في العاصمة الفرنسية ، عن اطلاق (الاتحاد من أجل المتوسط ) ،و ذلك في اجتماع يضم قادة الدول الاوروبية السبعة والعشرين ، ونحو عشر دول عربية ، الى جانب تركيا واسرائيل . وحتى الآن ليس معلوما كم عدد الدول العربية المقرر حضورها ، وذلك لخلافات حول طبيعة الاتحاد، ودوره وهويته ومدى انسجامه مع المصالح العربية .
هذا الاتحاد كان مقرا له أن ياخذ طابع الشراكة بين الدول الاوروبية والعربية المطلة على البحر المتوسط ، لكن هذا لم يتحقق ، بسبب اعتراضات أوربية أجبرت ضفتي المتوسط على تغيير الاسم ، وضم كل دول الاتحاد الأوروبي ، وهو ما لم يحدث عربيا. وهذه البداية تكشف ملامح المشهد العام أوروبيا وعربيا . و تعكس مدى الجدية والقدرة على صياغة نتائج حقيقية . ويمكن تحديد هذه االملامح في النقاط التالية: أولا : يتم الاتحاد وسط اختلال واضح في موازين القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية ، حيث تميل الكفة لصالح اوروبا على حساب العرب. ثانيا : وجود فوارق شاسعة في درجة أداء وفاعلية مؤسسات دول الشمال ومؤسسات دول الجنوب ، مما يؤثر على مستوى تنفيذ الاهداف ، والمشكلة ان أوروبا أو العرب لم يضعا شروطا محددة، على شاكلة ماهو موجود في دول ومؤسسات دول الاتحاد الأوروبي.
ثالثا : تفاوت مستويات الدخل ومستويات المعيشة ، وتباين قدرات مؤسسات المجتمع المدني بين الدول الأعضاء. مما يبعد الأفراد عن المساهمة الفعالة في جهود الاتحاد .
رابعا: عدم وضوح الموقفين العربي والاوروبي من طبيعة وجود اسرائيل ضمن الاتحاد.
خامسا : نجاح الأوروبيين في تجاوز خلافاتهم، ففي البداية انطلقت الدعوة من فرنسا الساركوزية ، حيث كانت تسعى لاعتبار الشراكة المتوسطية امتدادا لنفوذها التقليدي تاريخيا ، لكن الدعوة بما حددته من أهداف كانت قاصرة على المتوسطيين من الطرفين ، قوبلت برفض من ألمانيا وأسبانيا اللتين اعتبرتا الشراكة بصورتها المعلنة تفتيتا لوحدة اوروبا . وبعد مباحثات تم التوصل الى الصيغة الحالية التي تضم كافة دول الاتحاد الأوروبي. وبما يتوافق مع المواثيق الأوربية .
سادسا: عدم نجاح العرب في تحديد اسس العلاقة بين مؤسستهم الأم المتمثلة في الجامعة العربية ، وبين الاتحاد الجديد. ودخولهم فرادى من دون تنسيق حقيقي ، وهو ما انعكس في وجود خلافات بينية في الرؤى والأهداف التي من اجلها انضمت كل دولة الى الاتحاد .
واذا ماركزنا الضوء على الملمح الأخير، يمكن تبين جحم التباعد أو التقارب في المواقف العربية ، وعلى ضوء المواقف المعلنة انقسم العرب إلى ثلاثة أقسام : مرحب و ومتحفظ ورافض .
ـ الدول المرحبة : وتضم مصر وسوريا والأردن وتونس والمغرب ولبنان وفلسطين وموريتانيا، وترى دول من هذه المجموعة أن الانخراط في هذا الاتحاد ، يمثل فرصة للحصول على الاستثمارات الاقتصادية والتكنولوجية التي تحتاج اليها ، كما ترى فيه على الصعيد السياسي فرصة مثالية للتفلت من النفوذ الأميركي او وسيلة يمكن بها تحقيق بعض التوازن في هذه العلاقات عبر اوروبا . وينطبق ذلك أكثر على مصر التي تمر علاقاتها بنوع من التوتر مع الادارة الأميركية الحالية .
وينطبق على سوريا التي تسعى الى اقامة علاقات طبيعية مع بعض الدول الأوروبية ، و خاصة فرنسا ، بعدما ساءت هذه العلاقات لفترة من الزمن بسبب اختلاف المصالح ، الى جانب ذلك فهي تسعى للتقارب مع اوروبا للخروج من دائرة الشيطنة التى تمارسها أميركا ضدها .
ـ الدول المتحفظة: وتتمثل في الجزائر تحديدا لأسباب تاريخية ، فهي تدعو فرنسا اولا الى اعلان أسفها عن ماضيها الاستعماري ، واعلان تخليها عنه ، لكن هذا المطلب لايحظى بموافقة فرنسية . ولعل ما يعزز التحفظ الجزائري أن هناك رأيين يتصارعان حول جدوى المشاركة ، فهناك فريق يقوده عبد العزيز بلخادم رئيس الوزراء السابق، ويرى عدم جدوى المشاركة مالم تمتثل فرنسا للجزائر .
اما الرأي الآخر فيتبناه رئيس الوزراء الحالي أحمد أويحيى ، والذي يرى ضرورة المشاركة من أجل مصلحة الجزائر . وقد انعكس هذا الانقسام على مشاركة و مستوى تمثيل الجزائر في المؤتمر.
ـ الدول الرافضة : وينحصر الرفض المعلن في الموقف الليبي ، فليبيا كانت واضحة تماما في موقفها ، وقدمت أسبابا ذات منطلفات قومية .ومن اجل حشد موقف عربي موحد عقدت بالعاصمة طرابلس يوم العاشر من يونيو الماضي مؤتمرا ضم رؤساء تونس والجزائروموريتانيا وسوريا ووزير خارجية المغرب ، وقد وجهت الدعوة الى مصر فلم تشارك بسبب انشغال الرئيس المصري بارتباطات وجدول أعمال مزدحم .
وفي اسباب رفضه أوضح الرئيس معمر القذافي أن الاتحاد المتوسطي سيقوم على حساب الانتماء للجامعة العربية والاتحاد الأفريقي ، وانه سيقسم العرب الى ثلاث مجموعات: قسم متوسطي وقسم أفريقي وقسم أسيوي ، والعرب ليس لهم مصلحة في هذا الانقسام . وقال أن العرب مرتبطون بمؤسسات اقليمية لايمكن تجاهلها أو تمزيقها.
ولاتقف أسباب الاختلاف العربي عند حدود هذه المواقف ، فهناك خلاف لم يحسم على توزيع الامانات والمناصب بين الدول العربية ، ومثل هذه الخلافات موجود في الجانب الأوروبي ، لكن بدرحة أقل ساعدت على سرعة حسمها ، قبل انعقاد المؤتمر.
وعلى الرغم تحقيق أوروباالحسم السريع للمشكلات التى تعترض الاتحاد المتوسطي ، فانها تركت المشكلة الاسرائيلية معلقة ، لمزيد من تمزيق العرب ، فالمواقف العربية متباينة من حضور اسرائيل، خاصة وان بعضهم على علاقات سلام معها ، وبعضهم يفاوضها ، بينما كانت الجزائر الأشد تمسكا بعدم المشاركة بسبب اسرائيل .
ويشكل عام تمثل مشاركة اسرائيل حالة تربص أوروبية ضد العرب ، فقد لوحظ وجود تعمد فرنسي - على وجه الخصوص- في الاعلاء من شان مشاركة اسرائيل ، بل إن فرنسا حاولت الايحاء سياسيا واعلاميا ، بأن الرئيس نيكولاي ساركوزي نجح في ترتيب لقاء بين الرئيس السوري بشار الاسد وبين رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت، خلال الأيام السابقة على المؤتمر، لكن سوريا سارعت الى نفي ذلك ، مشيرة بان الظروف غير ناضجة لاتمام مثل هذا اللقاء .
و تثير المشاركة الاسرائيلية تساؤلات حول مدى قدرة أوروبا على تحقيق السلام العادل ، بما يضمن الحقوق الفلسطينية . خاصة وأن المواقف الأوروبية الداعمة والمساندة لاسرائيل على حساب الحقوق العربية معروفة . وهو ما يجعل من المؤتمر بؤرة تسلل اسرائيلية الى مواقع عربية جديدة .
كما تثير تساؤلات حول الفارق بين الاتحاد من أجل المتوسط وبين المشروع الشرق أوسطي الاميركي .لأن المشروع الأوروبي يمثل بلاشك - في هذا الجانب- امتدادا للشرق اوسطية ، وان كانت فرنسا تتمني أن تتمكن من خلال هذا الاتحاد مشاركة الولايات المتحدة مناطق نفوذها ، وسط ترحيب عربي بذلك .
ولعل هذا الطموح الفرنسي، الذي يمثل عودة الى المرحلة النابوليونية الاستعمارية، هو أحد محركات السياسة الفرنسية الحالية تجاه المنطقة العربية ، وهنا يكمن رفض فرنسا الاستجابة للمطلب الجزائري بشجب المرحلة الاستعمارية الفرنسية. بل ان الرئيس الفرنسي ، وهو صاحب الفكرة المتوسطية ، لم يخف - خلال رحلاته الافريقية - تمجيده للماضي الاستعماري الفرنسي، مما جلب له العديد من انتقادات كبار المثقفين الأفارقة .
وإمعانا في استكمال فرنسا أدواتها الاستعمارية، طلبت فرنسا العودة إلى حلف الاطلسي، بعد عقود من الانسحاب منه ومقاطعته . وهذه الخطوة لايمكن بأي حال اعتبارها منفصلة عن الخطى الفرنسية المتشوقة للمتوسطية.
واذا ماقارنا هذه الاهداف الخفية في ثنايا المتوسطية ، بما هو معلن من أهداف ، فان ماتم اعلانه أوروبيا على الصعيد الاقتصادي لا يتعدى، ما تقوم به وزارات الأشغال والداخلية في أي دولة من دول العالم، فاوروبا تريد الحفاظ على نظافة مياه البحر المتوسط ، وتريد إنشاء طريق يربط بين وموريتانيا والمغرب والجزائر.
كما تريد ربط الموانى المتوسطية بعضها ببعض ، والهدف طبعا الحد من الهجرة غير الشرعية ، التي تعتبر المؤرق الأول لأوروبا .. ومن المتوقع ان يناقش المؤتمر المتوسطي انشاء بنك للاتحاد لتمويل هذه الخطط، ودراسة اقامة منطفة تجارة حرة. ومنتدى ثقافي للشباب لإيجاد ثقافة متوسطية.
إن استقراء الملامح والتناقضات العربية الاوروبية ، والبينية العربية، يضع المنطقة العربية امام اوروبا في وضع حرج على كل المستويات ، بل ويجعل منها منطقة قلاقل في ظل اشتداد التنافس الدولي عليها ، خاصة وان العرب لايمتلكون من القوة العسكرية مايمكنهم من حماية أنفسهم .
والمثير للدهشة حقا أن وزيرا فرنسيا سابقا للخارجية بوزن هوبير فيدرين ، وصف الاتحاد من اجل المتوسط بقوله: (ليس له من الاتحاد سوى الاسم)، اذا كان الأمر يجري في فرنسا وأوروبا على هذا النحو ، فما الذي يدعو الدول العربية للتورط في هذا المجهول ، الذي يقودهم نحو مزيد من التفتت والتشتت ؟
إضاءة
تم الاتفاق مبدئيا على رئاسة مصر للاتحاد في جانبه العربي، في مقابل رئاسة فرنسا له اوروبيا ، كما تم الاتفاق أن يكون للأمانة العامة مقران ، أحدهما في بروكسل والثاني تونس ، وأن يكون الامين العام للجانب العربي مغربيا .
ولكن بعض الدول رأت في هذا التوزيع هدرا لحقوقها في ، مما زاد من حدة المواقف البينية العربية . وفي الجانب الأوروبي كانت هناك خلافات حول مدة رئاسة الاتحاد، فبينما كانت فرنسا تريد أن تستمر الرئاسة لمدة عامين متتاليين بالتعاقب بين الدول الاوروبية ، فان دولا اخرى ومنها المانيا طالبت بتقليل المدة ، كي تتمكن الدول الأوروبية السبع والعشرين من تولي الرئاسة.
أحمد الكناني

