أخيراً أتت سياسة «العصا والجزرة» الأميركية أولى ثمارها مع العضو الثالث في «محور الشر». وهو المصطلح الذي خرج من بنات أفكار الرئيس الأميركي جورج بوش عام 2002 في أعقاب أحداث سبتمبر. والأعضاء الثلاثة في هذا المحور هم العراق الذي تم غزوه تحت ذريعة «أكذوبة» التخلص من أسلحته التدميرية، وإيران المتربص بها بوش ورجاله وإسرائيل لنسف برنامجها النووي المعلن عنه أنه سلمي، والعضو الثالث والذي سيحصل على «البونص» أو الجزرة الأميركية هو كوريا الشمالية.
فقبل أسبوع، اتخذت بيونغ يانغ خطوة ايجابية بتفجير برج تبريد عملاق في مفاعلها النووي في يونغبيون. ودفعت الولايات المتحدة على الفور تكاليف التفجير وهي 2.5 مليون دولار.
هذا المفاعل كان رمزا للطموحات النووية لكوريا الشمالية. إذ أنتج بلوتونيوم لبرنامجها الذي توج بتجربة نووية في أكتوبر 2006، مع العلم أن الخبراء لا يعتقدون أنها تمكنت من إنتاج رأس صغير بما يكفي لحمله على صاروخ. والوسيلة الوحيدة لإلقائها قنبلة ستكون بالطائرة وهو ما يمكن للولايات المتحدة وحلفائها ان تراقبه.
مفاعل يونغبيون كانت بيونغ يانغ قد أغلقته في يوليو الماضي بعد موافقتها على ذلك في فبراير 2007، مقابل حصولها على 25 مليون دولار. وعندما تأخر وصول «الجزرة» عن موعدها عدة أشهر بسبب خلاف حول الإجراءات المصرفية، رفضت كوريا الشمالية بدء إجراءات إغلاق المفاعل.
هذا المبلغ كان قد تم تجميده في بنك في ماكاو بعدما زعمت الولايات المتحدة أن كوريا الجنوبية متورطة في التزوير وغسيل الأموال.
ولكن عندما رفع التجميد ونقلت الأموال في 25 يونيو 2007، سمحت بيونغ يانغ على الفور لمراقبي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدخول أراضيها للتحقق من الإغلاق وبدأ العمل على تعطيل المنشأة، وتم شحن الوقود المتفق عليه مع اللجنة السداسية الدولية، إذ تعهدت كوريا الشمالية بالتخلي عن طموحاتها النووية مقابل حصولها على 50 ألف طن أولية من الوقود تقدمها الدول الخمس الأخرى المشاركة في المفاوضات، ثم تقدم الولايات المتحدة 950 ألف طن أخرى، إلى جانب معونات اقتصادية أخرى وبعض التنازلات الدبلوماسية من جانب الغرب وخاصة الولايات المتحدة.
الشواهد تؤكد أن الكورريين الشماليين جادون في مسيرة التنازلات مقابل الحوافز أو «البونص» الأميركي، إذ سلمت بيونغ يانغ قبل يوم من عملية التفجير التي جرت وسط مظاهرة إعلامية دولية ضخمة، إقرارا بتفاصيل برنامجها النووي إلى الصين عضو المفاوضات السداسية التي تضم الولايات المتحدة وروسيا والكوريتين واليابان.
هذه التنازلات من جانب كوريا الشمالية، لا تذهب هباء، فالمزيد من البونص الأميركي في الطريق. فعلاوة على الأموال ومعونات الطاقة والسماح لها مستقبلا بالحصول على القروض الميسرة من البنك الدولي وغيره من المؤسسات المالية الدولية، أعلن الرئيس بوش بنفسه أنه سيتم إلغاء بعض من العقوبات المفروضة على كوريا الشمالية وحذف اسمها من اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب.
والمتوقع أيضا، أن تنهال الحوافز على كوريا الشمالية إذا ثبت أن تقريرها عن نشاطها النووي دقيق وكامل، وأنه ليس لديها برنامج سري لتخصيب اليورانيوم لصنع أسلحة نووية، أو أنها لم تنقل تكنولوجيتها النووية لأطراف خارجية.
