كركوك .. هذه المدينة المتعددة الأطياف والأعراق ، لم تشهد فيما قبل نظام البعث والاحتلال صراعا بين مكوناتها من تركمان وكرد وعرب وآشوريين وكلدان، وهناك شواهد تاريخية كثيرة على مدى التماسك الاجتماعي بين سكانها.. ففي عهد الاحتلال البريطاني للعراق حاولت قوة من جيش الـ (ليفي) الذي شكلته بريطانيا من المرتزقة حينذاك، التصادم مع التركمان الذين وقفوا بوجههم بشدة، إذ هبت العشائر الكردية لنجدة التركمان ما دفع البريطانيين إلى سحب هذه القوة.
ولكن مع بروز الفكر القومي العربي في العراق، بعد سقوط الملكية، ظهرت بوضوح ملامح تنامي الشعور القومي الكردي، والتركماني في العراق عامة ، وكركوك بصفة خاصة، وبدأ الفرز القومي يأخذ أبعاداً جديدة ومستويات عدة: سياسية ، وثقافية، واجتماعية.
كما أن الصراعات السياسية بين الأحزاب القومية في كركوك تركت بصماتها على الحياة الاجتماعية بصورة واضحة ، وخاصة بعد سقوط النظام عام 2003، إذ بدأ ما يمكن تسميته بتسييس المجتمع الكركوكي ، وفق انتماءات قومية ، الأمر الذي أثر سلباً على جميع نواحي الحياة ، حتى الزواج ..
إذ أصبح اقتران شاب تركماني بفتاة كردية مثلا مسألة صعبة تواجه انتقادات كثيرة من المحيط والعائلة التي يعيش فيها الشاب والفتاة، حسبما قال علي مهدي القيادي التركماني وعضو مجلس محافظة كركوك.
وقالت الآنسة رفاه نوري، معلمة كردية - 25 سنة ، أنها لا تفكر بالزواج من شخص عربي أو تركماني ، لأنها على يقين بأن مثل هذا الزواج سيلاقي رفضا من محيطها الكردي ومن ذويها ، ورغم ذلك لا ترفض زواج كرديات من العرب أو التركمان، إذا كُنّ مستعدات لتحمل المتاعب والصعاب مستقبلا.
أما رجاء علي ،مهندسة عربية - 26 سنة، فتقول إنها لا تمانع في الزواج من شاب كردي، أو تركماني، وأنها لا تفكر بالانتماء القومي، بقدر تفكيرها في أن يكون شريك حياتها مثقفا ويحترم المرأة.
وقالت فوزية حسن .كردية- 29 سنة - تعمل سكرتيرة : إذا اقتنعت بشخص وأحببته فلن أهتم بانتمائه القومي، رغم علمي بأنني سأواجه انتقادات ومعارضة من بعض الأقارب.
وتساءلت قائلة: (لماذا يحللون للشباب الكردي حرية الزواج من أي قومية ، ويحرمون علينا نحن الشابات حرية الاختيار.. هذا المجتمع الرجولي يعتبر المرأة سلعة ، ولذلك يجب أن لا يفرط بها ، وأنا ضد هذه القيود).
الشباب أقل تخوفا من الزواج بفتاة خارج الإطار القومي، غير أن معظمهم أكدوا أن المرأة ستتبع زوجها بعد الزواج ، وعلى الفتاة أن (تغير قوميتها) وتتبع زوجها.
عبدالله صمد عثمان ، كردي 21 سنة ، وهو مصور تلفزيوني، تساءل : (وماذا لو تزوجت تركمانية أو عربية ؟ كل ما عليها أن تتعلم الكردية ، لأني لا أعرف لغتها).
وقال سلمان عبدالله ، صحفي عربي متزوج من تركمانية، أنا عربي سني وزوجتي تركمانية شيعية.. كنا في الجامعة معا ، وتزوجتها قبل سقوط النظام .. شقيقاتي متزوجات من كرد وتركمان .. كان الزواج في السابق سهلا ، ولا يحمل كل هذا التعقيد).
أما نشأت مجيد ،شرطي تركماني - 20 سنة، فقال ''والدتي كردية، لكني لن أتزوج كردية، ربما أقبل بفتاة عربية ، أما الكرد .. فالفرق كبير بيننا وكبير، إلا إذا قبلت أن تتحول إلى تركمانية'' .
المحامي مؤيد نامق يعمل في محكمة كركوك أوضح بأن نسبة الزواج بين القوميات في كركوك تراجعت ، خصوصا في مركز المدينة، وشهدت المحكمة حالات طلاق أسبابها سياسية ، وخصوصا أثناء الانتخابات العامة''.
ولم تجر محكمة كركوك ودائرة الأحوال المدنية أي إحصائية، إلا أن الكثير من أبناء كركوك يقولون إن نسبة الزواج بين القوميات انخفضت منذ أوائل ستينات القرن الماضي، بعد أن كانت قد وصلت ذروتها في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي.
وتؤكد دراسة أعدها مركز كركوك للاستشارات النفسية ان نسبة الزواج بين القوميات في كركوك قد انخفضت خلال الفترة بين عامي 2003 و 2005، لكنها بدأت بالارتفاع مرة أخرى.
وقال الدكتور عبد الكريم خليفة مدير المركز إن المواطن في كركوك من جميع القوميات كان يبحث عن تحقيق الذات القومية، فمن الناحية النفسية اعتقد أن الفترة الماضية كانت كافية لإشباع هذه الرغبة.. كانت هناك حالات طلاق بسبب الانتماء القومي ، إلاّ انه في مرحلة ما بعد 2005 ، ومن خلال دراسة قمنا بها عن طريق اللقاء المباشر في المحكمة بالمتزوجين الجدد ، رصدنا ازدياد نسبة زواج الشباب الكرد من الفتيات العربيات ، كما ازدادت نسبة الزواج بين العرب والتركمان بصورة لافتة''، وتابع خليفة ''كلما استقرت الأوضاع السياسية زادت النسبة وكلما تأزمت انخفضت النسبة''.
المحلل السياسي المتخصص في شؤون كركوك، الأستاذ الجامعي، يوسف كوران قال ''إن الحالة في كركوك تشهد اصطفافات جديدة أثرت على الأسس الاقتصادية والاجتماعية والقومية كافة.. وجاءت الاصطفافات بعد ظاهرة سياسية جديدة أفرزت انغلاقاً اجتماعياً يمنع الزواج المختلط ، وكل ذلك مرهون بالوضع السياسي، وكذلك بالانفتاح الاجتماعي''.
ورغم المتغيرات والأحداث الجارية على ساحتها السياسية وما يدور حولها من اتفاقات وتوافقات ، تظل كركوك ، التي اقترن اسمها بالنفط في البدء ، وبالسياسة بعد ذلك ، تحافظ على تراثها وتلاوينها القومية التي لم تضمحل.
إضاءة
على المستوى التراثي ، ثمة مشتركات كثيرة كانت تجمع بين الأعراق المختلفة في كركوك، إذ إن الزى الشعبي حتى نهاية الخمسينيات، كان عبارة عن ''الصاية والجاكيت'' على الطريقة البغدادية، لكل من التركمان، والكرد.. ومع تنامي الشعور القومي لدى الكرد، اخذوا يستبدلون زيهم بالزي الكردي المعروف (الشروال) ، أما أبناء القرى الكردية في ضواحي كركوك فقد حافظوا على زيهم القديم..
كما أن الذاكرة لا تزال تحفل بالأغاني التي كانت تنشد بالكردية والتركمانية، والشعراء الذين نظموا قصائد بالكردية والتركمانية والعربية منهم: هجري ده ده، وشيخ رضا الطالباني.
