لم يعد الانتقال بين بلدان العالم امرا صعبا كما في السابق في ظل التطورات التي تشهدها حياتنا، ولكن يبقى السفر رغم كل الظروف تجربة غنية، تزيد من معرفة الانسان وتقوي من عصب ثقافته، خاصة عندما يجتهد في البحث عن اشياء أخرى غير تلك التي يعرفها العامة. وهذا ينطبق الى حد بعيد على باتريك انطاكي، مدير عام فندق ميرديان العقة بالفجيرة، الذي شكل له عمله رافدا عرفه على طبائع الشعوب الاخرى.
يقول انطاكي: «انتقلت هذه الهواية من جدي الذي ترك الدولة العثمانية عام 1901 متجها الى انجلترا ومنها الى مصر، في وقت كان السفر متعذرا على الجميع، الى والدي الذي عشق هو الآخر السفر بكل اشكاله، وما لبثت أن ورثتها عنه، والآن عندما يسألني أحد عن بيتي، أجيب في أي مكان أعيش فيه». تجربتي الاولى كانت مع والدي الذي اصطحبني معه الى اوروبا، حيث كان يطمح الى تعريفنا بالحضارات وتطورها، وكانت هذه هي المرة الاولى التي اركب فيها الطائرة وارى المطارات، وبوصولنا الى اوروبا وجدت اختلافا واضحا بينها وبين مصر سواء في الشوارع أو المحال التجارية.
وبعد المدرسة توجهت للدراسة في كندا، حيث درست تخصص ادارة فنادق ومطاعم في مونتريال، وتخرجت فيه. وكندا من البلدان الجميلة جدا ليس لطبيعتها فقط انما للتمازج الحضاري والانساني الموجود فيها، وهذا انعكس على الحياة الاجتماعية والطعام الذي يتوفر فيها بكل اشكاله واصنافه. اما بالنسبة للحياة فهي تعتمد على الشخص نفسه وهدفه منها، وهي مفتوحه للجميع، والكندي الاصلي معتاد على الاجانب في بلده، ولذلك تجده يحترم ويساعد الجميع دون استثناء. ولكندا طبيعة رائعة جدا تتفوق على اوروبا، وفيها العديد من الاماكن الطبيعية العذراء التي لم تمسها يد البشرية بعد، وهي من البلدان التي يمكن ان تلمس فيها تغير الفصول الاربعة.
وهي تجمع بين الحديث والقديم، فيمكن لزائرها ان يعيش حياتها العصرية، وفي الوقت ذاته يمكن ان يزور مناطق غارقة في القدم، مثل «مونتريال القديمة» او «ذي اولد كيبك»، حيث الشوارع القديمه جدا والتي تبدو كأنها لم تلمس منذ عشرات السنوات رغم الحياة التي تدب فيها. بعد ثلاث سنوات في كندا انتقلت للعيش والعمل في انجلترا التي بقيت فيها لمدة خمس سنوات، واذكر للوهلة الاولى عندما خرجت من المطار حيث كان عمي بانتظاري وقد اقلني بسيارته الصغيرة الى البيت، انني صدمت وشعرت بالخوف من شوارعها الصغيرة خاصة انني اعتدت الاشياء الكبيرة في كندا.
معرفة إنجلترا
وانجلترا مختلفة تماما عن كندا، فهي قديمة وتحتفظ بحضارة عريقة جدا، وتضم في طياتها شعبا من مختلف جنسيات العالم. وفيها الكثير من الاماكن الرائعة، مثل اسكتلندا التي تحتوي على ساحات للحروب وقلعات قديمة، وقد لاحظت في الانجليز اعتناءهم بالاماكن الاثرية من حيث النظافة والترميم ووضع المعلومات التي توضح تاريخ المكان.
ويتجلى الجمال والمزج الحضاري القديم والحديث في وسط لندن، وهي معروفة بكنائسها القديمة ومتاحفها ولعل ابرزها متحف لندن الذي يضم قطعا كثيرة جلبت اثناء فترة استعمار بريطانيا لعديد المناطق في العالم، كما يوجد فيها متحف العلوم الذي لم ار مثله ابدا، حيث يستعرض تاريخ العلوم الانسانية، وفيه تشاهد صواريخ وسيارات قديمة، واشياء اخرى كانت تحت التجربة ولم تثبت نجاعتها وغيرها، ويوجد فيه غرف للعب الاطفال، حيث يمكنهم فيها ممارسة اللعب والتعليم في الوقت ذاته.
ورغم ان الانجليز من النوع الدقيق والجامد خاصة في الامور التي تتعلق بالعمل، الا انني ارتحت كثيرا في التعامل معهم، بالمقابل اذا حاولت فتح مجال للمزاح ولاقامة العلاقات الاجتماعية معهم تجدهم يتجاوبون بسرعة.
و«اذا اردت معرفة انجلترا عليك الخروج من لندن»، هذا ما يقوله الانجليز انفسهم، وذلك لأن الجمال الطبيعي وطيب التعامل ستجده متوفرا بكثرة خارج لندن، وقد لمست ذلك عندما سكنت خارج لندن في احدى الفترات، حيث كان الفاصل بين الضوضاء والهدوء فقط 30 دقيقة بالقطار.
متعة سويسرا
تعتبر سويسرا من أجمل البلدان التي زرتها، وعادة لا أذهب إليها إلا في الاجازات، حيث اجد متعتي فيها، فمن جهة هي بلد صغير ومن جهة أخرى يتحلى اهلها بالطيبة ويمكن لزائها ان يرتاح جدا وان يمارس رياضة التزلج على الجليد أو المشي حول البحيرات.
وشعب سويسرا دقيق ويحترم الوقت بصورة ملحوظة جدا، ولولا ذلك لما كانت الساعات تجارتهم الاساسية، وهو قريب جدا من الآخر ويظهر ذلك من طريقته الحارة في استقبال الزوار وتقربه منه للتعرف عليه وعلى منطقته، وتجد فيه نسيجا جنسيا رائعا، وعموما هو شعب مرح ومحب للحياة والرقص والموسيقى، وقد لمست ذلك العام الماضي فقد صادف زيارتنا احتفالات الشعب السويسري بالعيد الوطني، وقد اقيمت احتفالات ضخمة على مشارف البحيرات استمرت حتى وقت متأخر.
لسويسرا طبيعة رائعة تجمع بين الجبال والبحيرات، وقد زرت منها جبال «شامونيكس» و«يخ» «يونفرا»، وسيلاحظ الزائر ان طبيعة الحياة تختلف عندما يصعد ايا من جبال سويسرا، من حيث طبيعة الاكل والموسيقى والترحيب والرقص وسيشعر بأنه يعيش في حضارة مختلفة عن تلك الموجودة في الاسفل، اما من حيث الشوارع فهي تعتمد على المكان الذي تتواجد فيه، وعموما هي أصغر من شوارع اوروبا وتختلف بين السهل والجبل، وهي مصممة بطريقة جميلة جدا تناسب طبيعة البلد.
هدوء فرنسا
لا ابالغ ان قلت ان باريس من أكثر مدن العالم جمالا، وانا احبها جدا، ولكثرة ما زرتها بت أعرف جيدا الاماكن التي يجب ان تزورها، والتي تعرفني على فرنسا الحقيقية.
واجمل مكان وجدته في فرنسا هو منطقة «انسي» التي تقع في جنوب شرق فرنسا، وهي قريبة من منطقة «السفواة» التي خرج منها معظم ملوك ايطاليا وفرنسا، واحب «انسي» لجمال طبيعتها وهدوئها ونظافتها، فهي واحدة من المناطق التي ركزت عليها الحكومة الفرنسية كثيرا لتصبح الآن من أنظف الاماكن الموجودة في فرنسا، ويمكن لزائر هذه المنطقة ان يمارس الرياضات المائية والمشي، كما يوجد فيها اماكن مخصصة للعب الاطفال. ومن المناطق الاخرى التي احبها في فرنسا منطقة «شتلة»، التي يمكن فيها ان تشعر بالفرنسي نفسه، وهي من المناطق المعروفة بسبب سوق الخضار الفرنسي الذي ازالته الحكومة بهدف تحويلها الى منطقة أهلية فيها الكثير من الفلل رائعة التصميم ومراكز التسوق، وخلال زياراتي لفرنسا زرت منطقة الشانزليزيه، وهي منطقة سياحية تحتوي على العديد من المحال التجارية والمقاهي وتطل على قوس النصر الذي يعبر عن حضارة جميلة. وطبيعة الشعب الفرنسي تتغير من الشمال الى الجنوب، فمثلا القاطن في «مارسيه» تجده قريبا من العربي، وهو يختلف عن الطلياني في حرارته وطبيعته.
صعوبة الطليان
بالمقابل زرت مدينة ميلانو الايطالية، ولكن لم اقض فيها وقتا طويلا، وعلى الرغم من انها كانت تجربة جميلة الا انني لن اكررها مرة أخرى لصعوبة التعامل مع الطليان، وفيها زرت الكاتدرائية ودار الاوبرا.
وخلال عملي زرت الهند وهي من البلدان الجميلة جدا وشعبها طيب وقريب من العربي من حيث التقاليد الاسرية والتعامل مع الآخرين، وهو محافظ، وفيها مناطق رائعة جدا لدرجة قد تظن انك في اوروبا، بالمقابل تلمس في بعض مناطقها الفقر الشديد.
إضاءة
ولد باتريك أنطاكي في مصر عام 1964، لأب بريطاني وأم سويسرية من اصل لبناني، ودرس تخصص ادارة فنادق ومطاعم في مونتريال الكندية، ثم انتقل للعمل في انجلترا لمدة 5 سنوات، ومنها إلى مصر، حيث عمل فيها 3 سنوات بشرم الشيخ، ومنها انتقل الى دبي للعمل في فندق الميرديان السياحي ومنه الى رويال ميرديان جميرا، وهو يتولى ادارة فندق ميرديان العقة بالفجيرة منذ 5 سنوات.
غسان خروب



