وقع كل من الاتحاد الروسي والاتحاد الأوروبي مؤخرا اتفاقية شراكة المبادئ الأساسية وسوف تعمل على تحديد أطر العلاقات بين الطرفين. و تحدد الاتفاقية التعاون في أربعة مجالات هي: المجال الاقتصادي و الأمني و الأمن الخارجي و العلم والتربية والثقافة. وينظر إلى الاتفاق الجديد كاطار للمبادئ الأساسية للعلاقة بين روسيا و الاتحاد الأوروبي ، والتي تعتبر شراكة وتعاون استراتيجيين. ومما يجب الإشارة أن الوثيقة تحمل طابعا قانونيا ملزما.
وتكمن أهمية القمة في أنها أطلقت إشارة البدء لمفاوضات إعداد اتفاق جديد بين روسيا والاتحاد الأوروبي ، حيث يعتبر الاتفاق على بدء الحوار أهم نتائج القمة التي عقدت في مدينة خانتي مانسيسك الروسية في سيبيريا .لكن التحدي الأكبر يكمن في التحديات التي لا تزال تواجه الدبلوماسيين من الجهتين في عمل مكثف وجدي يوم الرابع من سبتمبر المقبل، حيث سيتم أول لقاء بين المختصين والمستشارين السياسيين من الجانبين في بروكسل. ومع ذلك يجب أن تكون روسيا وأوروبا واقعيتين وتريا أنه إلى جانب انجازاتهما ، فان هناك مشكلات جدية سواء في المجال الاقتصادي، مثل إجراءات مكافحة إغراق السوق ومشكلات الحوار في مجال الطاقة أو في المجال السياسي، لذلك على المتحادثين من الجانبين أن يجدوا حلولا مشتركة ، فالعالم ينتظر انجاز هذا الاتفاق نظرا لأهميته.
الرئيس الروسي ديميتري ميدفيديف طرح خلال القمة - بشكل مبدئي - دراسة مسألة حماية المواطنين الروس في دول البلطيق، وسيتابع طرح موضوع المشكلات الإنسانية العامة، وبالدرجة الأولى وضع المواطنين المتكلمين باللغة الروسية ، حيث عبر عن ذلك بقوله: (مهم جدا أن زملاءنا الأوروبيين سمعوا وجهة نظرنا في هذه المسألة). حيث تم بحث ضرورة تقيد لاتفيا وليتوانيا وأستونيا والدول الأخرى حديثة العهد في الاتحاد الأوروبي بجميع قوانين والتزامات المجتمع الدولي ، كإعلان حقوق الإنسان والقوانين الاجتماعية والاقتصادية الأخرى التي كانت قد أقرتها هيئة الأمم المتحدة.
وفي القمة ركز الطرف الروسي على الجانب الاقتصادي ، في حين أولى القادة الأوروبيون اهتماما كبيرا في الشق السياسي ، حيث بلغ الحوار في المجال الاقتصادي والطاقة لروسيا مرحلة جيدة، ففي عام 2007 فقط بلغ حجم التبادل التجاري بين الطرفين حوالي 284 مليار دولار وهذا ليس رقما نهائيا. وهذا التطور لا ينفي وجود مشكلات من الناحية الاقتصادية سببها (بروكسل) التي تتخذ مثل إجراءات تمييزية في حق الاستثمارات الروسية في بعض الدول الأوروبية
أما على الصعيدين السياسي العسكري فقد حفل جدول أعمال القمة بمواضيع كثيرة ومختلفة ، كموضوع قضية الدرع الصاروخية وحقوق الإنسان، والنزاع في أبخازيا وكوسوفو ، فروسيا وأوروبا تدركان تماما صعوبة التطورات التي تجرى في هذه المناطق المتنازع عليها. وفي نفس الوقت يعتبر الطرفان أن حل هذه المشكلات لن يتم دون مشاركتهما سويا .
ومن وجهة النظر الروسية يجب التوجه إلى هذه المسائل، مع الأخذ بعين الاعتبار دراسة هذه الصراعات بشكل صحيح، و فهم اتجاهاتها ومنطق تطورها، و العمل على تقريب وجهات النظر للجهات المتنازعة. و حل النزاعات بشكل فعال، وعلى أساس المبادئ والقواعد الدولية وقرارات هيئة الأمم المتحدة.
لقد تم في القمة تحقيق الأمرين: أي دراسة هذه القضايا وتحليلها ، حيث عبرت كل من موسكو وبروكسل عن رأيهما في هذا الصدد. كما اتضح أنه توجد مواقف متشابهة في كثير من القضايا التي ثبت أن الروس والأوربيين جاهزون للتعاون والعمل معا على حلها هذه .أما القضايا المختلف عليها مثل النزاعات في جورجيا أو بريدناستروفيا. فستكلف روسيا والاتحاد الأوروبي الخبراء والمستشارين السياسيين التابعين لهما بإيجاد حلول وسط .
وعلى صعيد حرية التنقل فقد علق الطرف الروسي أملا كبيرا للتوصل إلى اتفاق فيما يخص نظام التأشيرات. ففي اغسطس من عام 2002 ، وتنفيذا لطلب الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين ، قدمت روسيا لرئيس اللجنة الأوروبية السيد برودي مقترحات الطرف الروسي حول إنشاء المنظومة المتكاملة لمنح التأشيرات. وقرر الطرف الأوروبي بأن عملية حل هذه القضية يجب أن تمر بعدة مراحل و توجد لدى الطرفين الآن خبرة تراكمت على مدى عام واحد فيما يخص بتنقل الأشخاص دون التأشيرات ، وذلك بناء على الاتفاقية التي بدأ مفعولها في واحد يونيو عام 2007 . وتخص هذه الاتفاقية فئات معينة من السكان ، وهم الطلاب والمدرسون ورجال السياسة والصحفيون والمتقاعدون من الطرفين
وأثناء اثني عشر شهرا أثبتت هذه الاتفاقية فاعليتها و أكدت على صوابها القانوني و روسيا تريد الآن أن تزيد الفئات التي سيسمح لها بالتنقل دون تأشيرات. و أكدت على ذلك في القمة بكل وضوح . إذ يحق لروسيا كدولة سياسية مستقلة تراعي المعايير والالتزامات الإنسانية أن تتمتع بمزايا نظام شنينغين ، مما يسهل تجاوز كثيرا من المشكلات .
ويعتبر الاتحاد الأوروبي شريكا مهما بالنسبة لروسيا ، كما تمثل روسيا أيضا نفس الأهمية بالنسبة للاتحاد الأوروبي ، وخصوصا في المجال الاقتصادي ، ولكن هذا لا يمنع وجود خلافات كبيرة بين الطرفين على أكثر من صعيد ، فهل يمكن لهذه الشراكة الاقتصادية أن تطغى على تلك الخلافات .
إن الواقع يكشف صعوبة الوصول إلى اتفاق في بعض القضايا، نظرا لطبيعة الاتحاد الأوروبي ، فاليوم يوجد في السياسة الأوروبية ما يسمى بالكتلة السياسية الحادة ،وهي كتلة ذات توجه يميل إلى التشدد والأنانية. وهذه الكتلة منظمة جيدا بما يسمح بوجود المعايير المزدوجة في مجال حقوق الإنسان، و بالتهجم على الغير فكرا وتعبيرا .ويكفي أن نورد مثالا مجموعة من القرارات التي اتخذها البرلمان الأوروبي في السنوات الأخيرة وهي تعبر عن فهم خاطئ للأحداث داخل روسيا الفيدرالية.
وفي نفس الوقت يجب القول إنه بوجود الرغبة عند الطرفين ، فان التفاهمات المشتركة قابلة للانجاز .لذلك من المهم جدا كي يتم التعاون والعمل على بناء قاعدة سيكولوجية صحيحة لدعم الحوار المستقبلي ، و من المهم أيضا القضاء على المواقف الخاطئة أو التخوفات المتبادلة من أجل بناء تعاون حقيقي . لقد دعت القمة إلى الابتعاد عن نبش التاريخ بحثا عن خلافات الماضي ، وبدلا من ذلك التمسك بالبحث عن النقاط المشتركة للالتقاء على حل المشكلات المعاصرة . وهذا مهم جدا للجميع ، فهل يلتزم الاتحاد الأوروبي وروسيا نسيان خلافات الماضي من أجل المستقبل؟
إضاءة
منذ البدايات الأولى للتعاون حقق الطرفان الروسي والأوروبي نجاحات على صعيد أهداف عديدة ، ولكن لا تزال هناك تفصيلات بنيوية عديدة ، ومعالجات هذه الخلافات ستضاف إلي الاتفاقية الحالية ، من خلال اتفاقيات أخرى في مجالات مختلفة كالتكنولوجيا و الفضاء والزراعة والثروة الحيوانية . كما ستشمل كذلك التجارة والبينية والمجالات المصرفية ومجالات أخرى كثيرة ، حيث يوجد اهتمام مشترك بين الاتحاد الأوروبي وروسيا على توثيق التعاون المشترك، كما تتجه النية إلى تحديث كثير من الاتفاقيات المبرمة في الماضي لأن بعض بنودها صارت قديمة في كثير من نصوصها!

