لا يختلف اثنان على الأهمية الجيوسياسية القصوى التي يتمتع بها حوض البحر الأبيض المتوسط والدور الحاسم الذي لعبته البلدان المطلة عليه ولا تزال على مر التاريخ في تحديد معالم ومسار الحضارة الإنسانية جمعاء.
ومقترح الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي والذي بات مقترحا أوروبيا بعد تبنيه من جانب مؤسسة الاتحاد الأوربي وبلدانه وفي مقدمتها ألمانيا لا يخرج عن هذا الإطار البتة، إذ يعكس من الناحية الظاهرية ،على أقل تقدير، محاولة باتجاه إعادة الدماء لتتدفق في شرايين شبكة العلاقات التاريخية القائمة بين بلدان شمال وجنوب وشرق المتوسط، تلك العلاقات التي راحت تخبو أضواؤها خلال السنوات الأخيرة، جراء عوامل خارجية طارئة لن تصمد طويلا .
لكن المبادرة الفرنسية تعكس قبل هذا وذاك مكامن السياسة الخارجية لقصر الإليزيه في ظل العهد الجديد كما تستجيب للعديد من مشكلات سياسته الداخلية.
انقسمت الآراء حول تقييم هذه المبادرة الآتية في سياق إقليمي ودولي معقد للغاية يغص بالعديد من المبادرات والمقترحات الأخرى التي تحاول الاستجابة للتحديات المتعاظمة التي تواجه المنطقة والعالم. فمنتقدوها يعتبرونها فارغة من أي مضمون ويصفونها، في أحسن الأحوال، بأنها مجرد تكرار لمجموعة من الأفكار الماضية قدما أصلا.
أما المدافعون عنها فيعتقدون بأنها كفيلة بإحداث ثورة حقيقية في العلاقات الأوروبية المتوسطية، بينما يظن متشددون أن المسألة على ارتباط وثيق بمحاولة لإحياء تطلعات بونابرتية آخذة بالتجذر في قصر الإليزيه، في حين يرى آخرون أن المبادرة الفرنسية هذه تدور في الفلك الصهيوني نفسه الساعي منذ أمد إلى تطبيع وجود الدولة العبرية في المنطقة لا سيما إثر فشل العديد من المشاريع العلنية والسرية على هذا الصعيد والتي يتصدرها مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي طرحه شمعون بيريز في تسعينات القرن الماضي ومشروع الشرق الأوسط الكبير الذي طرحته الولايات المتحدة منذ سنوات في المنطقة وتحاول فرضه عليها.
لكن المعطيات المتوفرة حتى الآن والتوجهات المعلنة لفرنسا والاتحاد الأوروبي تشير إلى أن ظاهر هذه المبادرة ينطوي، في المقام الأول، على نداء موجه إلى البلدان المطلة على المتوسط يدعوها إلى استعادة الوعي بأهمية لا يزال حوض المتوسط يستأثر بها لنفسه عندما يتعلق الأمر بتحديد مستقبل المنطقة والعالم أجمع.
كما يمكن اعتبار الاتحاد من أجل المتوسط محاولة فرنسية أحادية الجانب باتجاه تثبيت إطار للحوار والتعاون الأوروبي المتوسطي يضمن للبلدان المنضوية تحت لوائه استعادة المبادرة إثر الفشل الذريع الذي سجلته عملية برشلونة بعد توسيع الاتحاد الأوروبي في عام 2004 وانضمام عشرة أعضاء جدد إلى النادي الأوروبي.
مع الأخذ بعين الاعتبار أن أسباب فشل هذه العملية لا تقتصر على توسعة الاتحاد وإنما لا بد من رؤية الواقع كما هو وإدراك أن تلك الأسباب ستبقى ناقصة ما لم يضاف إليها الصعوبات الجمة التي واجهتها عملية برشلونة جراء عدم القدرة على إيجاد حلول مناسبة للصراعات الرئيسية التي تعصف بالمنطقة وعلى رأسها الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني والإسرائيلي- العربي، فضلا عن تبعات حرب الولايات المتحدة على العراق وما خلفته هناك من حالة انعدام كلي للأمن والاستقرار، وحروب إسرائيل على لبنان وعدم التوصل إلى حل ناجع للأزمة الداخلية اللبنانية وأزمة الملف النووي الإيراني المفتعلة.
يضاف إلى كل ذلك المشكلات الحدودية بين تركيا واليونان والصراع القبرصي وتبعات ما يسمى (الحرب على الإرهاب)، فكل ذلك يحول دون إرساء قواعد السلم في المنطقة ولا يسمح بعودة الحياة الطبيعية إليها.
في أحد جوانبه، يعكس الاتحاد من أجل المتوسط حالة من الشك والريبة حين يؤكد أنه من الممكن في ظل انسداد الأفق أمام الحلول السياسية لكل تلك المشكلات البدء بالتعاون حول قضايا تقنية لا تمت بأي صلة بالصراعات السياسية ولا تفتح أي أفق جديد باتجاه إيجاد الحلول المناسبة لها.
وما يزيد الطين بلة يكمن في رؤية ساركوزي الخاصة بالقارة السمراء، حيث يقفز عن الواقع بالطريقة ذاتها ويؤكد أنه يتعين على أفريقيا الانضمام إلى مقاصد الاتحاد من أجل المتوسط وتوجهاته فيما يتعلق بظاهرة الهجرة إلى الشمال وتثبيت ما يطلق عليه سياسة (الهجرة الانتقائية)، أي قيام تعاون مشترك في هذا الميدان بين بلد المنشأ وبلد الوجهة يصب دائما في خدمة احتياجات الطرف الثاني.
على الرغم من أن الاتحاد من أجل المتوسط يحتفظ لنفسه بحق إعادة بناء نفسه حسب الإرادة السيادية التي سيعرض لها كل من رؤساء الدول والحكومات في اجتماع الثالث عشر من الشهر الجاري، إلا أن ساركوزي اقترح في إطار الرئاسة الفرنسية للاتحاد الأوروبي أن يصار في النصف الثاني من العام المقبل إلى تنظيم مؤتمرين دوليين كبيرين، أحدهما حول الهجرة بين أفريقيا وأوروبا والثاني حول التكامل السياسي والثقافي للبلدان المتوسطية.
انسجاما مع اقتراحاته الأولى، التي يبدو واضحا أنها في طريقها إلى الإقرار والتبني في 13 و14 يوليو الجاري في باريس، فإن ساركوزي يرى ضرورة الاستلهام من العملية التي سمحت انطلاقا من رابطة الفحم والحديد في خمسينات القرن الماضي بالشروع في بناء الاتحاد الأوروبي الحالي والتي كانت قاعدتها الأساسية المصالحة التاريخية الفرنسية- الألمانية.
حيث يجب أن تقوم هيكلية الاتحاد من أجل المتوسط على مؤتمرات سنوية لزعماء الدول والحكومات على طراز مؤتمرات مجموعة الثماني،على حد تعبير رئيس الدولة الفرنسية في أحد خطاباته وإنشاء مجلس متوسطي ناظم وقائد للعملية ونظام جماعي للأمن المشترك وبنك متوسطي للاستثمار.
منذ أن أعلن الرئيس ساركوزي عن مشروعه المتوسطي، سجلت وسائل الإعلام وبصورة متكررة استياء العديد من المؤسسات الأوروبية المشتركة سواء بسبب الطريقة التي أعلن من خلالها ساركوزي عن مشروعه من دون مراجعة أحد بشكل مسبق أم بسبب الانطباع الذي أعطاه الرئيس الفرنسي بانتقاداته لعملية برشلونة والذي يوحي بأنه يريد التخلص منها كليا واعتماد المشروع الجديد تحت رعاية فرنسية.
المفوضية الأوروبية كانت الأولى في التحذير من أن تلك الفكرة، التي لم تناقش بصورة مسبقة، ليست مجرد إستراتيجية بسيطة لحملة انتخابية. ذلك أن الاتحاد من أجل المتوسط جاء إلى العالم مغلفا بانتقادات واضحة لعملية برشلونة في كافة الميادين وبإيحاء بأن المشروع الجديد قادر على القيام بما هو مطلوب منه على نحو أفضل.
ولقد انضم إلى حملة الانتقاد تلك انتقاد آخر أكثر حدة حول بطء وتعقيد عمليات اتخاذ القرار في أوروبا مكونة من 27بلدا أعضاء، الأمر الذي يعزز القناعة الفرنسية القائلة بأن توسعة الاتحاد الأوروبي يجب أن يكون لها حدود لجهة المكان والثقافة والتوقيت.
كما أن نظرا منذ البداية إلى الاتحاد الأوروبي كبديل لدخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، حيث يعتقد الفرنسيون وبعض الأوروبيون الآخرون أن إضافة عناصر جديدة إلى أوروبا متعددة الأعراق والديانات ستؤدي إلى تأجيج المنافسة الموجودة أصلا بين القيم التي يعتبرها البعض غير متوافقة أو مختلفة عن القيم العلمانية والديمقراطية والجمهورية السائدة في فرنسا.
إضاءة
الاتحاد من أجل المتوسط سيتوسع ليشمل دولا أوروبية لا تطل على البحر الأبيض المتوسط فقط، والمفوضية الأوروبية تقترح أن يضم المشروع 44 بلدا تطل على المتوسط والأدرياتيكي: 27 أعضاء الاتحاد الأوروبي بالإضافة إلى 13 عضوا ومراقبين من (عملية برشلونة) التي تأسست عام 1996 على يد الأوروبيين بغية تشكيل اتحاد يضم بلدان جنوب المتوسط.
باسل أبو حمدة
