الدكتور عوض محمد بن مجرن أحد هؤلاء الرحالة المخضرمين.. اختار أن يجوب العالم من خلال فريق رحالة الإمارات الذي أسسه ويترأسه منذ عام 1996 عازما على مشاهدة الجانب الآخر من الأرض بعيون عربية، والتعرف على عادات وتقاليد الأمم المختلفة، ومشاهدة الطبيعة على سجيتها.
جاب د. عوض كل بلاد العالم تقريبا بصحبة عدد من أعضاء جمعية رحالة الإمارات وقطع بسيارته مئات الآلاف من الأميال بحثا عن الآخر. ولكل مكان طبيعة تميزه كما يؤكد د. عوض ففي أستراليا الطبيعة خلابة إلى درجة إحساسك أنها تناديك.. وفي أوروبا تشعر بالتمدن والوجه الحداثي للمعيشة، وفي افريقيا تعيش الفطرة والطرق البدائية، وفي الدول العربية تحس بالألفة والحميمية ودفء المشاعر الأخوية.. ويضيف أن عامل الأمن هو مربط الفرس في قضية إحساسك تجاه المكان الذي تزوره لأول مرة في حياتك، وهناك دول كثيرة مررنا بها ولم نشعر بالاستمتاع لوجود قلاقل أمنية تقلل فرص التأمل والانطلاق.
على أن اختلاف العادات والتقاليد من مكان إلى آخر ينقلك خلال سفرك من عالم إلى آخر مناظر أو معاكس.. وكل مكان يتحدث لغة تختلف عن غيرها.. فللصحراء لغة تختلف عن لغة الغابات وتختلف أيضا عن لغة الجبال والوديان.. وهكذا. وقمة الاستمتاع في حياة الرحالة هي القبول بخطورة التحدي، ففي صحراء النوبة في المنطقة مابين الحدود المصرية والسودانية قطعنا ألف كيلو متر في مكان قفر لا توجد فيه أية آثار لحياة برية، وحذرنا كثيرون من قطعها دون صحبة دليل لكثرة ما وقع بها من حوادث فقدان أشخاص ومركبات، وفي بعض الأحيان قد نضطر إلى إلغاء وجهة معينة إذا منعتنا ظروف الأمن من مواصلة الرحلة إليها مثلما حدث منذ عدة سنوات، فقد ألغينا زيارة بورما بسبب الحرب الأهلية هناك في ذلك الوقت، كما غيرنا وجهة السفر بسبب عصابات تقطع الطرق في منطقة بلوشستان، أيضا أجبرتنا الحرب بين أثيوبيا واريتريا على تغيير خط السير، ونفس الموقف حدث على حدود الجزائر بسبب الحرب الأهلية.
والتغيير سمة تحكم خارطة الرحالة كما يشير د. عوض فيقول ان بعض المناطق كانت آمنة في فترة ما وتحولت إلى مناطق خطرة، أو العكس، وبعض الدول كانت تتساهل في استقبال الأجانب ثم تغيرت سياستها مثل الولايات المتحدة بسبب أحداث 11 سبتمبر وعلى العكس كانت الصين في الماضي تمنح تأشيرات الزيارة بصعوبة، أصبحت الآن أكثر مرونة.. وبالمناسبة، كانت مفاجأة لنا أن نسبة كبيرة من المسؤولين في الصين يجيدون التحدث بالعربية الفصحى، كما أنها دولة تحرص على النظام رغم كونها ذات كثافة سكانية عالية، كما أن الشعب الصيني شعب منتج وعملي ويجيدون استقبال السياح بشكل عام والعرب بشكل خاص كما أنه من المعروف أنهم أصحاب حضارة قديمة.
وتضم البرازيل أكثر من 6 ملايين نسمة من جذور عربية وهي أكبر دول أمريكا الجنوبية من حيث المساحة، والشعب هناك معظمه مختلط، من أصول أفريقية وأوروبية وهندية ويتحدث معظمهم اللغة البرتغالية.
ومن أغرب ما شاهدته هناك غابات الأمازون.. التي تعد أكبر غابات العالم من حيث المساحة وتحتوي على أنهار وأشجار كثيفة وحيوانات.
كما يعيش بها سكان يطلق عليهم (هنود الأمازون)، وهم سكانها الأصليون، ومازالوا يفضلون العيش في الأدغال على رفاهية ونعومة حياة المدينة، وهم خليط من المهاجرين من الصين ومنغوليا وأقصى الشمال القطبي، ومازالوا يعيشون على الفطرة بالقرب من نهر الأمازون وفروعه، وبالرغم من ترحيبهم بالسياح، إلا أن البعض منهم خرج على التقاليد وأصبح يهدد الغرباء لسرقتهم.
ومعروف أن غابات الأمازون توفر ما يقرب من 30% من الأكسجين إلى العالم.. كما أن نهر الأمازون من أطول أنهار العالم وأعرضها حيث يبلغ عرضه في بعض المناطق 40 كيلومتراً وفي أحواض نهر الأمازون تكثر الأسماك والكلاب والدلافين النهرية، كما تكثر أسماك (البيرانة) المفترسة، وتكثر التماسيح على ضفافه بالإضافة إلى مجموعة من الطيور تضم سلالات نادرة من الببغاوات كبيرة الحجم، وفي الليل تعزف أصوات الطيور والحيوانات وخرير المياه في الأنهار سيمفونية رائعة.
ويستوقفك في الهند، بلد الحضارات، وأم العجائب الزحام الشديد، خاصة أنها البلد الثاني بعد الصين من حيث عدد السكان، وكانت من أصعب الدول التي قدنا خلالها السيارات، ومن أغرب ما تراه في الهند تعدد الأديان والمذاهب واللغات بل واللهجات الواحدة لنفس اللغة كما يكثر الحلاقون والباعة في الشوارع وتتميز المعابد الدينية القديمة بطرزها المعمارية الجميلة وتكثر مزارع الشاي باعتباره من السلع الاقتصادية المهمة للدولة، غير أن طرقات السفر ضيقة وخطرة كما تكتظ بالمارة وراكبي الدراجات الهوائية والنارية وبعض الحيوانات ذات القدسية الخاصة عند بعض الفئات مثل الأبقار.
يضيف د. عوض قائلا: أما في روسيا فتختلف الصورة، برودة الجو هي التي تحكم تصرفاتك كسائح وانتشار الثلوج في بعض المناطق يحد من استمتاعك بالرحلة وتختلف استقبالات الشعب الروسي باختلاف المناطق، ويختلف الاستقرار الأمني من إقليم لآخر، كما حدث على حدود سيبيريا وكازاخستان، حيث كانت تكثر جرائم الاختطاف والقتل بغرض السرقة.
وفي اليونان تدهشك روعة الطبيعة الخلابة فتتوافر هناك أعداد كبيرة من الجزر والشواطئ الجميلة الممتدة على البحر المتوسط وتتعانق الصخور مع المياه في مشهد يأسر الألباب، وتعتبر القيادة على الطرق الجبلية من المغامرات الشيقة في المنطقة الشمالية من اليونان والتي تستوجب مضاعفة الحذر لهطول الأمطار الغزيرة عليها مما يتسبب في انزلاق السيارات.
وفي إيطاليا، التي وصلنا إليها بعد الإبحار لمدة حوالي 6 ساعات من الشواطئ اليونانية يختلف المشهد تماما حيث تنتشر الأبنية ذات الطرز المعمارية القديمة والتي يعرف الإيطاليون قيمتها فيحرصون على صيانتها، ولعل المدينة الأشهر والأجمل في إيطاليا هي المدينة العائمة (فينيسيا) أو البندقية كما يسميها العرب، وكما نعرف تتميز بالطرز المعمارية القديمة والممرات المائية التي تستخدم كطرق تربط المدينة ببعضها البعض.
وخلال جولتي مع الفريق في أوروبا انتقلنا إلى اسبانيا وشاهدنا الاحتفال السنوي الذي يقيمه الاسبان احتفالا بذكرى العرب القدامى وخلال ذلك الاحتفال يرتدون ملابس العرب القديمة ويقدمون الرقصات الفلكلورية والأطعمة التراثية العربية، ومن الغريب أن الكثير من المدن الاسبانية تشعر فيها بالطابع العربي والإسلامي، وكأن العرب خرجوا منها بالأمس فقط، ومن اسبانيا قمنا بشحن السيارات على ظهر السفينة (ابن بطوطة) إلى المغرب حيث تجولنا في كزابلانكا وزرنا مستشفى الشيخ زايد في الرباط والتقينا قبائل بدو البربر بما لهم من طقوس متفردة لعل أهمها طريقة بناء بيوتهم حيث يفضلون استخدام الخامات البدائية مثل الطوب اللبن في بناء بيوت ضيقة ومتواضعة تنتشر بكثافة على جبال الأطلسي في أقصى الشمال الغربي للمغرب.
إضاءة
كانت رحلة الفريق إلى أستراليا مليئة بالإثارة، استغرقت حوالي 4 أشهر بدأت من مدينة ملبورن، وكانت القيادة على يسار الطريق وليس يمينه، وتميزت المناطق الجنوبية من القارة الأسترالية بمناخها الاستوائي البارد، أما المناطق الساحلية فيغلب عليها الجو الدفيء وتعرف المناطق الوسطى بجفافها حيث الأجواء الصحراوية، ومن الغريب أن حيوان الكنغر يتقافز أمام السيارات عبر المناطق التي تكثر فيها المناطق الزراعية.
أيمن حجازي



