على الرغم من أننا دخلنا الألفية الثالثة بمتغيراتها السريعة، إلا أن مجتمعاتنا العربية لا تزال تعاني من اتهام بالذكورية في التفكير والممارسة، وبعودة سريعة إلى عصر الجاهلية حيث شاعت عملية وأد البنات، ومرورا بما ترسخ لاحقا من دونية في معاملة الإناث على حساب الذكور، ثم وبنظرة خاطفة لما تبقى ماثلا من هذه المفاهيم في ممارسات الأسرة والمجتمع.
نستخلص أننا لا نزال نراوح في مكاننا مقابل جرأة الذهاب إلى فكرة الانفكاك من عقدة الأسلاف، على الرغم من وجود محاولات كثيرة يصنعها التعليم والإعلام والفن في هذا الاتجاه، إلا أن الأمر يبدو وكأنه سباحة ضد التيار، هذا التيار الذي يعطي للولد أحقية أن يكون قيماً على شقيقته وإن كان أصغر منها سنا وأدنى منها علما وذكاء، بل ونراه قيما على والدته أحيانا، هذا التيار المتمسك بقشور القوامة بين الأزواج ويختزلها في أحقيته أن يقول القول الفصل في كل الأمور.
أما الشباب فهم المعنيون بما يمكن أن ينعكس على حياتهم من أضرار نفسية جراء هذه التفاضلية الجارحة، وإذا كان الأولاد مستفيدين (ظاهريا) من هذا التفكير على حساب البنات، فإن الحقيقة تذهب إلى عكس ذلك، فالحياة، الأسرة، المجتمع، بناء يعتمد على التكاملية والمشاركة بين المرأة والرجل شئنا أم أبينا، فهل لا يزال الشباب من الجنسين أسيري هذا النهج أم أن لهم رأياً آخر؟.
تقول نورهان إبراهيم بركات، طالبة جامعية: واضح أن من يقف ضد الفتاة متبنيا مفهوم الذكورية بكل معانيه هم بقايا الأجيال السابقة، والذين لم ينالوا القدر الكافي من التعليم بما يعني انسداد آفاقهم عند حد معين، وآخرون متعلمون ومثقفون لكنهم يخشون من الأقاويل، وأنا ألتمس للبعض عذره لأننا نعيش في مجتمعات لا ترحم، ومصير الفتاة مرهون بسمعتها ليس الأخلاقية وحسب، وإنما ينظر إلى مدى طاعتها وخوف أسرتها عليها وكأنها لوح زجاج قابل للكسر، فلا خروج بدون مرافق، ولا تأخير في العودة إلى البيت.
ولا مناقشة مع الأخ الأكبر أو حتى الأصغر، مجموعة من اللاءات إذا أطاعتها الفتاة وعملت بها تصبح في نظر المجتمع صالحة ولا غبار عليها، فكم من هذه الممنوعات يطبق على الأولاد؟، صحيح أن للفتاة خصوصية أنثوية، لكنها ليست على طول الخط كائن يخشى عليه من الآخر، بل هي إنسانة من لحم ودم لها أحاسيسها ومشاعرها الآدمية التي يجب أن تحترم وتؤخذ بعين الاعتبار.
أما الخوف من الأخطاء أو الاعوجاج فذلك ينسحب أيضا على الأولاد، والفصل في الموضوع برمته يعود إلى التربية، وعن نفسي فأنا أحظى بأسرة تعطيني الثقة كاملة ولا فرق عندها بين ولد وبنت، وأيضا لا تلتفت إلى تلك الأفكار التي أصبحت بالية.
نتيجة حتمية
وفي السياق نفسه تذهب يارا محمود، طالبة جامعية، إلى أن الشباب محكومون بنظرة مجتمعية تسيطر على الجميع ويصعب الفكاك منها، تقول: ماذا ننتظر من شاب ينشأ في أسرة تتبنى التفريق بين الولد والبنت على أساس الجنس، وتعطي للولد الأفضلية في كل شيء بما في ذلك أحقية التحكم في شقيقته.هل تجاوزت الأسرة العربية عملية المفاضلة؟
هناك أفكار كثيرة مغلوطة ورثها المجتمع عن أسلافه، ومهم أن يأخذ الشباب على عاتقه مهمة التغيير وقبلها أن يغير من نفسه عن قناعة، صحيح أن مجتمعاتنا قطعت شوطا لا بأس به في تقبل البشرى بالبنت مثل الولد، رغم إصرار بعض الآباء على إنجاب الصبيان وفي نفس الوقت هم يفرحون بإنجاب البنات، لكن مازال هناك الكثير من مظاهر التفرقة في المعاملة، وأنا شخصيا أعاني من هذه التفرقة وألمسها بوضوح في عيون والدي، لكنني أغض الطرف أحيانا وأعترض أحيانا كثيرة خصوصا وأن أشقائي يتفهمون الكثير من اعتراضاتي.
تصور وهمي
أما رأي الشباب فيأخذ منحى مغايرا بعض الشيء، يقول أحمد حموي، طالب جامعي: مع قناعاتي الشخصية بأن لا فرق بين البنت والولد ويجب أن تنمحي الصورة السائدة في أدنى معانيها، إلا أنني أنحاز إلى حرص الآباء على إنجاب الأولاد والاهتمام بهم أكثر، على أن يكون هدف الاهتمام إعداد وتهيئة من يتحمل مسؤولية الأسرة من بعده وهذا أمر منطقي ومشروع.
وأظن أن تفضيل الأولاد يكمن في هذه الجزئية بالتحديد، وعلى البنات أن يتفهمن هذه النقطة ويتعاملن معها برحابة صدر، أما مسألة الدلال والتفضيل الأعمى للولد على حساب البنت فهو مرفوض تماما، فلكل حقه في التربية والدلال بنفس القدر، وتبقى مسألة التساوي في مساحة الحرية الممنوحة للطرفين.
ومن يتحدث فيها منظرا فهو كمن يلعب بالنار، فالبنت معنية بأطر يتوقف عليها مستقبلها في كل النواحي، فهي ليست صاحبة المبادرة في طلب يد زوجها، وهي أيضا المعنية أكثر ببياض صفحتها السلوكية والأخلاقية، فهل توجد من تجازف بالسباحة ضد التيار المجتمعي وتعرض نفسها وأهلها للمجهول؟.
إلى الزوال
ويرى جمال أحمد، طالب جامعي، أن مسألة التفرقة بين الولد والبنت تنحسر شيئا فشيئا وفي طريقها للزوال، يقول: هناك مثل يقول ان البنت هي دلوعة والدها، واستنادا لهذه المقولة أرى الكثير من الآباء يسعدون بإنجاب البنات ويفرطون في دلالهن، ويقفون وراءهن في التعليم والعمل ويحرصون على تأمين مستقبلهن من كل النواحي، وأنا شخصيا مع هذا التوجه.
خصوصا بعد أن برهنت الفتاة على قدرتها في خوض المعارك الحياتية والخروج منها منتصرة، مثلها مثل الولد إن لم تكن قد تفوقت عليه في مجالات كثيرة، ودعونا نواجه أنفسنا بكل صراحة ونعترف أن التحامل على الفتيات مرده لمسائل أخلاقية بحتة، بحجة أن البنت تمثل نقطة ضعف لأسرتها إذا أخطأت، بل إن البعض يعتبرها عاراً عليه حتى إذا كان مجنياً عليها بالعنوة، فأية عدالة اجتماعية هذه التي تذبح وتضطهد من دون وجه حق؟
عز الدين الأسواني


