لم تشهد أوكرانيا استقرارا سياسيا، بمعنى الكلمة منذ نيلها استقلالها في مطلع التسعينات. البعض يربط ذلك بعدم نضوج الممارسة السياسية. و آخرون يرجعون الأمر إلى أن الغرب يتدخل بالشؤون الداخلية لأوكرانيا. ويحاول جرها إلى البنى العسكرية والسياسية الأورو أطلسية.
نبدأ بالتدخل الخارجي، فالمعروف أن الغرب فعلا يحاول التدخل بشؤون الداخلية لأوكرانيا. وهناك محاولات لجر ها إلى حلف شمال الأطلسي، و يصف البعض ذلك بمشقة الأخوة بين روسيا وأوكرانيا. ويمكن تناول هذا الموضوع من عدة جوانب، فأوكرانيا كأي جمهورية من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، تعرضت إلى هزات اقتصادية وسياسية، و عادة ما تكون مثل هذه الجمهوريات ذات بنية اقتصادية وسياسية قلقة، وتصبح فريسة التدخلات الخارجية.
ومن هنا كان التوتر الذي سببته الولايات المتحدة الأميركية مع موسكو بنشر قواعد منظومة الصواريخ في بولندا وتشيكيا. وانعكس ذلك ليصبح عنصرا فاعلا في التنافس السياسي الداخلي في الجمهورية الأوكرانية. بين تيار الموالاة لموسكو الذي يمثله فيكتور ينكوفيتش رئيس الحكومة وتيار دعاة أوكرانيا الكامل مع الغرب وانضمامها إلى الناتو ممثلاً بالتيار البرتقالي
الذي يتزعمه الرئيس فيكتور يوشينكا و يوليا تيموشينكا زعيمة حزب «بيوت». وبرزت في الفترة الأخيرة، تناقضات واضحة في المواقف الأوكرانية من أزمة الدرع الصاروخي، عكسته تصريحات ينكوفيتش من جهة، وتصريحات يوشينكا من جهة أخرى.
وبين الاثنين كانت يوليا تيموشينكا توجه الانتقادات الحادة لروسيا، لتحصل على اعتراف من واشنطن كزعيمة للمعارضة يعتمد عليها، فهي تطمح لتكون بديلا عن الرئيس الحالي يوشينكا، والذي يحاول التقرب إلى الكريملين إلى جانب تودده إلى واشنطن.
مثل هذه الحالة، تعكس استمرار الأزمة السياسية الأوكرانية الداخلية، وتنذر بتطورها نحو عودة التوتر بين مختلف الأحزاب السياسية الداخلية. كما تؤكد من جانب آخر مدى تأثير الاستحقاقات الإقليمية والدولية على الوضع الداخلي في أوكرانيا التي ما زالت بحالة لا شرقية ولا غربية.
وبينما يستمر الصراع بين قادة السلطة الأوكرانية، تسارع يوليا تيموشينكو زعيمة المعارضة إلى الحصول على أوسع تأييد من الغرب ودعم من واشنطن، في ما يمكن تقييمه كخطوة أولى نحو ثورة ملونة جديدة. قد تعلنها يوليا تيموشينكو لتسيطر على السلطة في أوكرانيا، وتحقق حلمها القديم الذي كان سبب فشل تشكيل تحالف حكومي يهيمن على البلاد أثناء المحادثات بعد الانتخابات البرلمانية.
تيموشينكا ليست راضية عن وصول ينكوفيتش المحسوب على موسكو إلى مركز القرار الحكومي. كما أنها ـ الإدارة الأميركية ـ مستاءة من محاولات تودد الرئيس يوشينكا المحسوب أصلا على الغرب
والكريملين. إذ تؤكد التجربة الجورجية والأوكرانية أن الولايات المتحدة لا ترغب في رؤية رؤساء وقادة يعتمدون نهج الوسط في السياسة الخارجية. وتحديدا في العلاقة مع كل من موسكو وواشنطن.
لهذا تخلصت واشنطن من الرئيس الجورجي الأسبق شيفرنادزة، و تخلصت من كوتشما في أوكرانيا، لأنهما تمكنا بذكاء من الحفاظ على علاقات طيبة مع طرفي التنافس. ففي جورجيا نجحت واشنطن أيضا في استبدال شيفرنادزة برئيس، يسابق الجميع في عدائه للكريملين، لكن الأمر لم ينجح على هذا النحو في أوكرانيا.
د. معمر الفار

