كثر الحديث حول قوات المرتزقة، والدور الذي تقوم به في العراق. و تحمل المعلومات الاستخبارية التي تتسرب و تتناولها الصحف، و كذلك تصريحات المسؤولين السياسيين والعسكريين العديد من الاتهامات المباشرة وغير المباشرة لواشنطن ولندن، عن جرائم ارتكبتها فرق المرتزقة التابعة شكلا لقيادة قوات التحالف، تلك الفرق التي جلبتها للعراق بموجب تعاقدات خاصة، من خلال شركات حماية أمنية، وزاد عددها ونفقاتها عن القوات العسكرية البريطانية والأميركية النظامية. في حين خرجت اتهامات كثيرة لهذه الفرق من المرتزقة حول جرائم ارتكبت في أماكن أخرى في العالم مثل أفغانستان والبلقان و بلدان افريقية. الأمر الذي جعل المراقبين يصورون المرتزقة على أنهم السلاح الجديد والغامض في الحروب القادمة.
من البلقان إلى العراق
سبق أن وجه المارشال الروسي ليونيد إيفاشوف، نائب رئيس الأكاديمية الجيو سياسية في موسكو، اتهامات مباشرة لأجهزة الاستخبارات الأميركية والبريطانية في إشعال الفتنة بين السنة والشيعة في العراق، عن طريق تدبير هذه الفرق عمليات هجومية على الطرفين. ويقول إيفاشوف «انه لا الحكومة الأميركية ولا البريطانية ولا قيادتهما العسكرية تملكان السيطرة على المرتزقة الذين يزيد عددهم الآن في العراق على مئة وعشرين ألف فرد مقاتل مأجور، معظمهم ليسوا بريطانيين ولا أميركيين.
ويصل أجر الفرد منهم ثلاثة أضعاف الجندي النظامي، ويحملون جنسيات مختلفة، وكثير منهم من أميركا اللاتينية من عصابات مافيا المخدرات والسلاح، ومنهم أوروبيون من صربيا ، وآخرون من روسيا، ومنهم كذلك عرب ومسلمون من دول مختلفة»، ويقول إيفاشوف ان البنتاغون تعاقدت مع هؤلاء المرتزقة عبر العديد من الشركات والمكاتب المختصة بنشاط الحماية الأمنية، وذلك فور دخول القوات الأميركية العراق في مارس عام 2003، ثم بدأ ترحيلهم إلى العراق بعد سقوط بغداد مباشرة».
إعدام الدبلوماسيين الروس
وتأتي هذه التصريحات من شخصية عسكرية روسية مرموقة مثل المارشال إيفاشوف على اثر تسرب معلومات لوسائل إعلام روسية، يقال انها من مصادر موثوق بها في الخارجية الروسية تقول ان فرق المرتزقة الخاضعة للبنتاغون، هي التي قامت بخطف الدبلوماسيين الروس الأربعة في يونيو عام 2006. و هي التي قامت بإعدامهم وليس تنظيما إسلاميا متطرفا ولا منظمة مقاتلين شيشان في العراق كما أذيع آنذاك، وكتبت صحيفة ريا نوفوستي الروسية تقول «إن الخارجية الروسية كانت تعلم ذلك، ولهذا لجأت مباشرة لواشنطن تطالبها بالتوسط والسعي للإفراج عن الدبلوماسيين الروس.
ولكن واشنطن لم تستجب للطلب» وتقول الصحيفة ان عمليات خطف وإعدام الدبلوماسيين في العراق، والتي يشاع أن تنظيمات إرهابية تقوم بها، هي في الحقيقة عمليات تتولاها فرق المرتزقة التابعة للقوات الأميركية والبريطانية. وتهدف للضغط والابتزاز السياسي للدول التي يتبع لها الدبلوماسيون».
خصخصة الحرب
الحديث في هذا التوقيت بالتحديد عن فرق المرتزقة في العراق، يأتي في التوقيت الذي بدأ فيه الكونغرس الأميركي مناقشة هذه القضية بجدية في محاولة لوضع حد لها قبل استفحالها ، خاصة بعد ظهور العديد من المقالات والتقارير في الصحف الأميركية التي تناولت هذه القضية واعتبرتها فضيحة سياسية كبيرة للولايات المتحدة تهبط بسمعتها إلى الحضيض، لمخالفتها للقوانين الدولية والأميركية ولاتفاقيات جنيف، الخاصة بتحريم التعامل مع المرتزقة دوليا باعتبارهم عصابات إجرامية تمارس الجريمة من أجل المال.
ونشرت صحيفة «شيكاغو صن تايمز» بتاريخ السابع من فبراير 2007، مقالا للزعيم الزنجي القس جيسي جاكسون تحت عنوان «خصخصة الحرب» وهو المقال الذي فجر أزمة في الكونغرس الأميركي حول هذه القضية لاحتوائه على معلومات خطيرة تشكل فضيحة لإدارة الرئيس بوش. ويقول جاكسون في مقاله إن الإدارة الأميركية تعاقدت بعقود سرية خاصة مع بعض الشركات التي تعمل في مجال الحماية الأمنية مثل شركة «دانيكور» التي كانت متورطة في فضائح حرب الصرب والبوسنة عام 1998.
وان هذه الشركات قامت بجلب الآلاف من المرتزقة من داخل أميركا وخارجها من مختلف أنحاء العالم من عصابات الجريمة والمافيا العالمية، وان هؤلاء المرتزقة لا يخضعون للقانون الأميركي ولا للقيادة العسكرية الأميركية في العراق، وسلطاتهم وأنشطتهم بلا حدود ولا قيود. والعقود معهم لا تخضع لقانون حرية المعلومات الأميركي ولا للكونغرس، وان حجم نشاطهم حتى عام 2006 تجاوزت نفقاته أربعمئة مليار دولار ذهب جزء كبير منها كعمولات لجهات أميركية سهلت جلبهم وتدريبهم وترحيلهم للعراق.
مذابح البوسنة و كوسوفو
الكاتب والمخرج السينمائي البريطاني ( الأسترالي الأصل ) الشهير جون بيلغر والمضطهد في بريطانيا بسبب مناصرته للفلسطينيين، أصدرت له دار النشر «جوناثان كيب» في لندن كتابه «لا تقل لي أكاذيب».
أورد جون بيلغر في كتابه معلومات تفيد أن جيش تحرير كوسوفو الذي كان يحارب الصرب كان كله من المرتزقة، الذين جندتهم واشنطن عبر شركات الحماية الأمنية ، وأن هذا الجيش كان يضم مجرمين من الصرب أنفسهم، وأنه هو المسؤول عن الكثير من عمليات الإبادة التي تمت لمسلمي البوسنة وكوسوفو ونسبت زورا للصرب. وأورد بيلغر في كتابه اعترافات لقائد قوات الأمم المتحدة في البلقان الجنرال لويس ماكينزي تؤكد هذه المعلومات.
المحلل السياسي الروسي ألكسندر تيميريازوف يقول في صحيفة يار نوفوستي «إن اللجوء للمرتزقة يحقق مميزات كثيرة، فهو أفضل وسيلة للهروب من كافة القوانين، كما أنهم يقومون بعمليات قذرة يرفض العسكريون النظاميون القيام بها لتعارضها مع القيم الإنسانية وشرف الخدمة العسكرية، وأيضا التعاقدات السرية معهم تتيح الفرصة للجهات التي تجلبهم في الحصول على مبالغ من المال خيالية لا تخضع للمراقبة والتحقيق.
كما أن موت أو فقدان المرتزقة في الميدان لا يشكل مشاكل اجتماعية ولا تذمرا في المجتمع، لأنهم بلا هوية ولا أقارب ولا أحد يهتم بهم أو يسأل عنهم، كما أنهم لا يكشفون أسرار العمليات القذرة التي يقومون بتنفيذها، وإذا كشفوها فلا أحد يصدقهم لأنهم مجرمون وسيئوا السمعة».
د. مغازي البدراوي
