يعود أصل الحكاية إلى ما يزيد على قرن ونصف القرن، حينها كان الوضع مختلفا، كان المارون فيه مختلفين عما نشاهدهم حالياً، قبل قرن ونيف كان المكان مفتوحا يواجه البحر بصمته ويصاحب الليل بسهره.
لم يتوان الزمن عن محاولة هدم شموخه، ولكن حجارته أبت أن تغادر مكانها لتحافظ على ما تركه الأجداد من تاريخ وذكرى عطرة ما زالت تفوح برائحتها في الطرقات الضيقة، في ذلك الوقت لم يكن ثمة تطور يذكر في المنطقة، بل كان المكان عبارة عن ساحة مفتوحة خالية يلتقي فيها الجميع للتجارة والسمر، حينها كان الناس يتعاملون مع بعضهم البعض بالطيبة التي فطروا عليها، ويتلمسون هموم وفرح الآخرين، وفي المكان ذاته كان لكل مجتهد نصيب خاصة عندما تحط السفن رحالها وتلقي ما بداخلها على الأرض.
لم يعد «سوق العرصة» الذي يعتبر من أقدم الأسواق الشعبية في الدولة، ظاهرا كما في السابق، فقد خبأته الإنشاءات الحديثة والمحال التجارية التي تكاد لكثرتها تغطي الشمس. يقول عنه عبد العزيز المسلم، مدير إدارة التراث والثقافة بالشارقة: «العرصة» تعني البقعة الواسعة الخالية التي تقع بين البيوت، وهو اسم منتشر في معظم البلدان العربية، وعادة ما تستخدم هذه البقعة للتجارة، ويقع سوق «العرصة» أمام بيت عبيد النابودة في منطقة المريجة التي تعد من أقدم مناطق الشارقة.
وقديما كان البدو يحطون رحالهم فيها بعد سفر طويل ويبيعون أو يقايضون فيها منتجات البادية من فحم وعسل وجبن ومشغولات يدوية وغيرها مع بضائع أخرى. وعلى إثر هذه الحركة بنيت بعض الدكاكين وكانت على شكل مربع تتوسطها ساحة واسعة تمتلئ بالبسطات، كما أنشئ في المكان ذاته «قهوة مرتضى» التي يتذكرها الأهالي منذ أكثر من 70 عاما، والى جانب هذه الساحة انشأ ممر طويل بنيت على جنباته عدد من المحال التجارية.
وقد سمي فيما بعد بالسوق المسقوف، فقد تم سقفه في سنوات السبعينات من قبل الأهالي وبذلك أصبحت المنطقة عبارة عن سلسلة من الأسواق، ومع تطور الحركة التجارية في الشارقة بنيت «عرصة» أخرى في منطقة الشويهين، وعلى إثرها كان لا بد من تحديد اسم المكان للتمييز بينهما، فأطلق على الأول الذي كان يباع فيه الفحم بكثرة «عرصة الصخام» والصاد هنا أصلها سين، والسخام بالعربية يعني الفحم«.
ويضيف: لطالما كان هذا المكان مركزا لصناعة الأحداث وتناقل الأخبار، خاصة وأن الشارقة التي تعد من أقدم المدن في شبة الجزيرة العربية، حيث بدأ ظهورها على الخرائط في القرن السادس عشر وتحديدا في العام 1567، كانت محاطة بسور وكان لحكامها ـ القواسم ـ في ذلك الوقت قوة بحرية حكموا من خلالها البحر، وما يدل على ذلك هو وجود المسجد الكبير، وبيت الحاكم، والمدرسة الإصلاحية التي تعتبر أول مدرسة نظامية وقد أسست في منتصف الأربعينيات، وكذلك مبنى المنتدى الثقافي الذي أسس في العشرينات.
بالإضافة إلى ذلك فقد شهد هذا المكان صدور صحيفة «صوت العصافير» التي تعتبر أول صحيفة في الإمارات وقد أصدرها الأديب إبراهيم المدفع حيث كان يقوم بتعليقها في السوق، كما كان السوق مكانا للإعلان عن القرارات والقوانين التي يصدرها الحاكم، وكانت تبلغ عن طريق «المنادي» الذي بقي حتى ستينات القرن الماضي، ومنه تنتقل إلى بقية المناطق التابعة للإمارة، وتشير الدلائل التاريخية إلى أن هذا السوق شهد طرح أول قانون تجاري مكون من 13 مادة في الإمارات، أصدره الشيخ سلطان بن صقر القاسمي (1924 ? 1950) في أربعينات القرن الماضي، كما كان السوق مكانا خصبا لتوارد الحكايات والسوالف ولإلقاء القصائد الشعرية ومكانا لالتقاء الجميع«.
ويواصل: إلى جانب المحال التجارية ضم السوق فندق «مسافر خان»، الذي ما زال موجودا حتى الآن، وقد أسسه أحد التجار في الثلث الأول من القرن العشرين، وهو مكون من سبع غرف، وكان «يكريها» أو يؤجرها بروبية أو روبية ونصف خليجية، وذلك بحسب المدة التي يريدها النزيل، وكانت الغرفة تؤجر إلى أكثر من شخص ولم يكن في الفندق حمامات للاغتسال إنما كان على النزلاء الذهاب إلى البحر من أجل ذلك.
والهدف من إنشاء الفندق هو تنظيم البلد واستمرار الأمان فيها خاصة وإن المكان كان يغص بالزوار والغرباء، وحاليا تقوم إدارة التراث برعايته حيث قامت بتقليص عدد الغرف إلى خمس وتقوم بتأجيرها إلى من يعشقون العيش في الأجواء التراثية. كما كان السوق يضم أيضا مقهى «البيزات» وهي كلمة هندية الأصل تعني النقود، وكان مكانا يجتمع فيه الرحالة والمسافرون تمهيدا للانطلاق نحو وجهتهم بعد التزود من البترول والماء لسياراتهم، كما كان يباع فيها بعض قطع غيار السيارات المستعملة.
كان سوق العرصة أحد أهم مصادر الرزق لأهالي الشارقة، كونه يعتبر كيانا اقتصاديا مهما للإمارة، ولم يقتصر على التجارة وعرض البضائع فقط، فقد كانت تعقد فيه الاتفاقيات بين النوخذة والبحارة فيما يتعلق برحلات الغوص بأنواعها الثلاث: غوص الردة الذي يكون في الشتاء، وغوص العود (الكبير) الذي يكون في الصيف ويستمر لأربعة أشهر، وغوص الإقفال الذي يقفل به الموسم.
يقول المسلم: «لقد استفادت المنطقة من مجاورتها للبحر، خاصة وأن الأهالي كانوا يعتمدون في رزقهم على التجارة، وكلنا يعرف رحلة الشتاء والصيف التي دأبت القبائل العربية على القيام بها قديما، وقد ساعدهم وقوع منطقة الخليج على أهم دروب التجارة القديمة مثل طريق الحرير، وطريق تجارة البهارات الذي اخترعه الأوروبيون، وطريق تجارة اللبان الموجود في عُمان واليمن، وكانت هذه التجارة تحتاج إلى وجود موانئ، ولذلك نلاحظ وجود خور وميناء في كل إمارة من إمارات الدولة».
ولشدة حبه للتراث فقد أوصى صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة بترميم المنطقة جميعها بعد أن آلت ملكيتها إلى الحكومة، وبالفعل تم له ذلك وأعيد افتتاح السوق في العام 1995، وقد قسمها بعد ترميمها إلى قسمين الأول يعنى بالآداب والفنون والثاني يعنى بكل ما يتعلق بالتراث، وحاليا يوجد في هذا السوق نحو 77 محلا تجاريا تبيع جميعها كل ما يتعلق بالانتيكا والتراث، ويبلغ عدد زواره سنويا ما يزيد على 50 ألف سائح.
إضاءة
ولد عبدالعزيز المسلم في الشارقة عام 1966 وحصل على ليسانس آداب في التاريخ، ويشغل حاليا منصب مدير إدارة التراث في دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، وله عدد من المؤلفات منها: »مراود«، »الذاكرة الشعبية«، »سفر الليالي«، »بقايا الليل«، »طفولة حب وسلام«، »اللهجة الإماراتية«، »الأزياء والزينة في الإمارات«، »راشد الشوق ـ آخر الرواة«، »بوسماح آخر نهام في الإمارات« و»خراريف« وغيرها، كما شارك في العديد من الندوات حول التراث.
غسان خروب


