وسط المناقشات المحتملة بمجلس الأمن هذا الشهر حول تطبيق القرار 1701 بشأن تطورات الوضع على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية من المتوقع أن يثور الحديث مجددا حول البدء في خطوات عملية على ارض الواقع لبدء تنفيذ الدعوة التي أطلقتها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس بشأن تسوية قضية مزارع شبعا.
إن نظرة متأنية على مجريات الصراع العربي الإسرائيلي على مدى سنواته الأربعين الماضية تشير الى أن قضية شبعا لم تحتل النصيب الأوفر من الحديث سوى منذ الجلاء الإسرائيلي عن الأراضي اللبنانية عام 2000، حيث أثير الحديث عنها آنذاك وسط تساؤلات بشأن عدم شمول الانسحاب لها، وهو ما كان الرد الإسرائيلي والأممي عليه جاهزا باعتبار أن المنطقة في الخرائط الموجودة لدى الأمم المتحدة تشير الى أن ملكيتها إنماألا تعود الى سوريا وليس لبنان.
السؤال: ما هو الجديد الذي استدعى تغييرا في الموقف الاميركي بشكل خاص على النحو الذي تبادر معه رايس الى طرح الموضوع، والتأكيد على أن الوقت قد حان لتسوية القضية ودعوة الأمم المتحدة في الوقت ذاته الى اتخاذ الخطوات على طريق تحقيق تلك التسوية؟
إذا اتفقنا بشكل مبدئي على أن التعاطي مع قضايا السياسات الدولية لا يتم اعتباطا، فإنه ينبغي علينا على الفور تصور أن وراء الطرح الاميركي ما وراءه وانه ليس بريئا على النحو الذي يوحي به ما قدمته رايس، وهو ما يجعلنا نؤكد أن الأمر يعكس حاجة أميركية أكثر من كونه يعكس حاجة لبنانية أو عربية، وإن كان ذلك لا يعني بأي حال رفض العرض الأميركي بل التعامل معه ومحاولة الوصول به الى هدفه المعلن المتمثل في تغيير طبيعة وضع مزارع شبعا من الاحتلال الى الاستقلال أو على الأقل أن تكون تحت إدارة وسيطرة الأمم المتحدة كمرحلة أولى.
ما نود الإشارة اليه أنه بغض النظر عن العديد من التحليلات التي راحت تجهد نفسها وتقدم اجتهادات عديدة بشأن أبعاد هذا التطور ، فإن الأمر يبدو على صعيد هذه القضية واضحا ولا يتطلب كثير اجتهاد، وهو يتمثل في استهداف سلاح حزب الله، ومن هنا كان عرض رايس والذي يمكن اعتباره بمثابة رمي للكرة في الملعب اللبناني.
جزء من سياسة شاملة
يمكن إدراك منطقية الطرح الذي نشير اليه وذهب اليه الكثيرون في معرض الحديث عن العرض الأميركي من خلال رؤية شاملة لتطورات الوضع في الشرق الأوسط منذ بداية العقد الجاري، والذي تم افتتاحه بمشروع غزو العراق بعد أحداث سبتمبر كجزء من مشروع أميركي أشمل لاعادة صياغة الأوضاع في المنطقة. لقد كان الهدف الأساسي هو تعزيز السيطرة الأميركية الأمر الذي تطلب وما زال القضاء على من يتم توصيفهم باعتبارهم يمثلون قوى الممانعة، وهي التي تتمثل بالأساس بعد الإجهاز على العراق في .. إيران وسوريا وحزب الله وحركة حماس.
وفي ضوء الترابط الكبير بين هذه القوى، فقد كانت هناك مداخل اميركية عديدة لتحقيق هدفها المركزي، الأمر الذي يمكن التأكيد على فشله حتى الآن بفعل عوامل عديدة ليس هنا مجال الدخول في تفاصيلها.
نقدم هنا الموقف من حزب الله باعتباره نموذجا لما نذهب اليه وباعتباره يمثل الجوهر من العرض الاميركي. فقدت بذلك واشنطن الكثير من الجهود لتقويض قوة حزب الله على مدى السنوات الماضية غير ان الموقف على أرض الواقع كان يأتي بعكس ما تريد، وكان آخر هذه المحاولات حرب الصيف قبل الماضي بين اسرائيل وحزب الله.
وقد كانت النتيجةألا خروج حزب الله أقوى مما كان عليه من قبل ليس لانه انتصر في الحرب وإنما لأنه لم يهزم. وقد جعلت نتيجة الحرب من نزع سلاح حزب الله أمرا له أولوية قصوى في ضوء تأثيره على معادلة الاوضاع الداخلية في لبنان على نحو يمثل خللا في تركيبة القوى السياسية لغير صالح الأطراف التي تتسم بعلاقات وفاقية مع واشنطن.
فضلا عن تأثيراته الإقليمية لجهة دعم المواقف الإيرانية في ضوء تشابك وتعقد قضايا المنطقة سواء على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي أو الموقف في العراق، أو الاشتباك الأميركي الإسرائيلي الذي تجري فصوله حاليا مع إيران.
تنامي قوة حزب الله
ولعله مما عزز من أهمية نزع سلاح الحزب تطورات ما قبل الوفاق اللبناني في الدوحة والتي هددت بدخول البلاد مرحلة حرب اهلية جديدة كان من المتوقع أن يكون النصر فيها حليفا للقوى التي يمثل حزب الله العنصر الغالب فيها.
ولا يمكن هنا إنكار أن اتفاق الدوحة المشار اليه عكس في مجمله حقائق القوة في الواقع اللبناني، وهو الأمر الذي كان ينذر أميركيا بتصاعد الخطر جراء تنامي الدور الذي يمكنه أن يلعبه حزب الله ليس على الساحة العسكرية فقط وإنما السياسية كذلك داخل لبنان.
ومن هنا يأتي الموقف الأميركي الذي يمكن اعتباره بمثابة تجرع للسم بقبول فكرة إعادة مزارع شبعا، التي تعتبر الحجة الرئيسية لحزب الله من أجل التمسك بسلاحه. فالموقف الأميركي يستهدف في النهاية تفويت الفرصة على تأكيد الحزب على أهمية سلاحه والذي يربطه باستمرار بالاحتلال الإسرائيلي لشبعا.
غير أنه في أي الأحوال تطور ويمثل انتصارا وإنجازا للحزب، ويتطلب كما أشرنا التعامل معه بكثير من الحنكة على صعيد الأطراف الداخلية اللبنانية بدلا من ان يكون العرض بمثابة تسميم للأوضاع هناك بما يبدو على أنه عسل اميركي في ضوء الخلاف الداخلي حول سلاح الحزب.
جدية مرهونة بالأهداف
والى جانب تصريحات أطراف لبنانية اعلنت أنها لمست جدية في موقف رايس بشأن العرض الأميركي، فإن ما يؤكد هذه الجدية على أرض الواقع، ما أشارت اليه تقارير بأن قوات اليونيفيل بدأت بناء على توجيهات الامين العام للأمم المتحدة في إعداد خطة مفصلة حول كيفية توليها ادارة مزارع شبعا، الامر الذي يكشف على هامش الموضوع الذي نتناوله تبعية المنظمة الدولية للإرادة الأميركية.
فهل تنجح واشنطن في دفع إسرائيل الى التخلي طواعية عن شبعا؟ ذلك أمر ليس مستبعدا في ضوء توافق الأطراف الرئيسية كلها على هذا الهدف، كل على خلفية أهدافه الخاصة به، وإن كان تطور الأوضاع على صعيد هذا الطرح يبقى رهنا بمفاوضات عديدة والى أي حد تحقق الحد الأدنى من الأهداف لما يراه كل طرف منها.
إضاءة
إذا اتفقنا بشكل مبدئي على أن التعاطي مع قضايا السياسات الدولية لا يتم اعتباطا، فإنه ينبغي علينا على الفور تصور أن وراء الطرح الاميركي ما وراءه وانه ليس بريئا على النحو الذي يوحي به ما قدمته رايس، وهو ما يجعلنا نؤكد أن الأمر يعكس حاجة أميركية أكثر من كونه يعكس حاجة لبنانية أو عربية.
مصطفى عبدالرازق
