من دون اتفاق مسبق، وفور انتهاء اللبنانيين من انتخاب الرئيس ميشيل سليمان، ووسط انشغال لبنان كله بأزمة تشكيل الحكومة، حضرت عميدة الدبلوماسية الأميركية كوندوليزا رايس الى بيروت، ومنها أطلقت قنبلة دخان سياسية بشأن مزارع شبعا. أشارت رايس الى أن الوقت قد حان لتسوية هذه الأزمة، داعية الى وضع المزارع تحت اشراف الأمم المتحدة، وأنها سوف تطلب ذلك من المنظمة الدولية.

جاء العرض الأميركي بعد أيام من دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت لبنان الى مباحثات سلام ثنائية أسوة بسوريا (التي تفاوض اسرائيل برعاية تركية). ثم تجدد العرض الإسرائيلي بعد يوم واحد من دعوة رايس. ما يشير الى وجود اتفاق مسبق بين أميركا واسرائيل على تكامل الأدوار.

هذه الهجمة الدبلوماسية المزدوجة من تل أبيب وواشنطن على لبنان انطلاقا من أزمة شبعا، جاءت في توقيت لبناني واقليمي معقد. ففي الداخل كان لبنان منشغلا في تشكيل الحكومة، وسط مخاض متأزم بسبب خلافات حول صلاحيات رئيس الحكومة، وحول توزيع الحقائب الوزارية. وذلك في جو منفلت أمنيا يشهد اشتباكات مسلحة بين الحين والآخر بفعل الشد الطائفي والسياسي.

خاصة أن لبنان لايزال يفتقد الى وجود مؤسسات حقيقية، حتى ان رئيس الجمهورية المنتخب حديثا العماد ميشيل سليمان كان توا قد تسلم مهام منصبه، وبالكاد بدأ يسعى لممارسة مهامه.

ومن داخل هذا المشهد وخارجه كان لبنان ـ ولايزال ـ يعاني أيضا حدة الاستقطاب الإقليمي والدولي، الذي عكس نفسه في تعطيل تنفيذ معظم ماتم التوقيع عليه في اتفاق الدوحة.

ونظرا لهذه الأجواء فإن الأهداف التي من أجلها طرحت كل من واشنطن وتل ابيب دعوتها، تستحق كثيرا من التدقيق، فالولايات المتحدة واسرائيل، دأبتا منذ احتلال مزارع شبعا عام 1967 على تجاهل الدعوات والمبادرات اللبنانية والعربية بشأن الانسحاب منها، فما الذي استجد فجأة واستدعى هذه الهرولة الأميركية والإسرائيلية الى لبنان؟

من الوهلة الأولى يسهل استنتاج أن الهدف المباشر هو اصطياد سلاح «حزب الله»، ذلك ان الشرعية المعلنة التي يستند عليها الحزب هي تحرير مزارع شبعا من الاحتلال. واذا ماتحررت المزارع فإنه يفقد شرعية سلاحه تلقائيا.

ويمثل نزع سلاح «حزب الله» هدفا ثابتا ومعلنا في السياستين الأميركية والإسرائيلية. وهذا ماتحسبت جيدا له الأطراف اللبنانية ومن هنا جاءت ردود الفعل.

فقد رفض الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة فؤاد السنيورة الربط بين الانسحاب من مزارع شبعا وبين سلاح «حزب الله»، وكذلك دعوة اولمرت الى المفاوضات، مؤكدا ان لبنان سيكون آخر دولة عربية تقيم سلاما مع اسرائيل. وجدد تمسك لبنان بالتسوية في اطار المبادرة العربية للسلام.

ومن جانبه عبر «حزب الله» عن رفضه المقترح الأميركي على لسان وزيره السابق طراد حمادة، وعلى لسان نائبه البرلماني حسن فضل الله، حيث رحبا بعودة شبعا من دون المساس بسلاح المقاومة، وقال طراد حمادة ان السلاح (سيبقى للدفاع عن الشعب اللبناني والأرض اللبنانية في وجه كل عدوان يهدد لبنان، وفي وجه العدو الإسرائيلي في فلسطين)، مشيرا (سبق لهذا العدو أن هدد لبنان واحتله في اكثر من مرحلة تاريخية) ـ (الحياة21 يونيو).

وفي نطاق ردود الفعل اللبنانبة، رحب سمير جعجع رئيس الهيئة التنفيذية لحزب القوات اللبنانية بالعرض الأميركي مؤكدا انه لمس نية جدية من الولايات المتحدة للضغط على اسرائيل من اجل الانسحاب من شبعا، لكنه قال انه (غير متأكد من أن هذه الضغوط ستؤدي الى نتيجة)، رافضا المفاوضات المباشرة بين لبنان واسرائيل.

ويمكن القول ان ردود الفعل الصادرة عن الأطراف اللبنانية حسمت الأمر ظاهريا، لكن رايس تركت لبنان أكثر تأزما مماكان عليه قبل زيارتها، حيث أدت الزيارة الى مزيد من تشدد الأطراف تجاه الأزمة الوزارية. وهذا ما عبر عنه بوضوح الدكتور سليم الحص رئيس الوزراء الأسبق بقوله (لعل الزيارة أو بالأحرى الغارة التي قامت بها وزيرة خارجية أميركا كوندوليزا رايس للبنان، كان لها علاقة في تصليب المواقف على الوجه الذي يحول دون انجاز تأليف الوزارة) ـ ( الحياة 19 يونيو).

وكانت رايس قد جددت خلال الزيارة، تمسك الولايات المتحدة باعتبار «حزب الله» تنظيما ارهابيا، حتى ولو شارك في الحكومة، وهو مايعني ان زيارتها لم تكن فقط من اجل المزارع، بل من اجل الضغط لمحاولة تهميش واضعاف موقف «حزب الله» في التشكيلة الحكومية الجديدة. صحيح ان الأزمة الوزارية لاتعكس حضورا لحزب الله فيها، وأن المتصدر لها هو العماد ميشيل عون نظرا لحساباته الانتخابية المقبلة، إلا أن تشدد العماد عون يستند أيضا الى موقعه القوي والصلب داخل معسكر المعارضة.

ونظرا لتداخل التوقيتات لبنانيا واسرائيليا، فإن من الصعب استبعاد الترابط بين دعوتي رايس وأولمرت عن أجواء المفاوضات السرية غير المباشرة ، التي جرت بين اسرائيل وحزب الله عبر الألمان، من أجل اتمام صفقة تبادل الأسرى. فكأن أولمرت أراد تجاوز ضغوطه الداخلية بشأن الصفقة، فطرح دعوة لبنان للتفاوض، ليوحي وكأن الأمر برمته يجري في سياق تحرك أوسع للسلام مع لبنان، وليس فقط مع «حزب الله».

كما أراد أيضا ان ينصب كمينا للدولة اللبنانية كلها، بأن تأتي للتفاوض مع اسرائيل، وهي الأحق بذلك من «حزب الله» في اطار الحفاظ على سيادتها.

و السيادة هي التكئة التي يستند عليها المناوئون لسلاح الحزب. وهذا ماعبر عنه سمير جعجع عندما قال انه سعيد بإطلاق سراح الأسرى اللبنانيين من السجون الإسرائيلية، (لكني حزين جدا لأن كل هذه العملية تجري خارج الدولة اللبنانية ).

فإسرائيل أرادت تفكيك الإجماع اللبناني حول اطلاق الأسرى بما يحول صفقة التبادل الى حالة خلاف بينية، لإجهاض أي انتصار داخلي لحزب الله، خاصة وان أولمرت كان بحاجة اليها أيضا لترميم صورته داخليا، وقد نجح في مسعاه اسرائيليا، ولكنه ـ الى حد ما ـ خاب لبنانيا، فلم يجرؤ أحد في بيروت على التناغم معه أو مع دعوة رايس.

وليس بعيدا عن الترابط الزمني، أن دعوة كل من رايس وأولمرت استهدفت اضعاف الموقف التفاوضي السوري مع اسرائيل. فالمزارع منطقة مختلف عليها بين سوريا ولبنان، فإذا ماوضعت على طاولة التفاوض فسوف تربك الحسابات والأولويات السورية.

ويتردد أن اسرائيل تسعى لتغيير الحدود الدولية بشأن شبعا اذا ماطرحت للتفاوض، ليتم اعتبار ذلك سابقة يمكن تطبيقها على الجولان، خاصة وأن أي تغيير في حدود شبعا لن يتم إلا بموافقة سوريا. فكان الأمر بمثابة كمين يهدف الى اصطياد لبنان وسوريا.

كما أن الطرح الأميركي بشأن وضع المزارع تحت اشراف الأمم المتحدة. يستهدف أيضا طرح نقطة خلافية بين سوريا واسرائيل ربما لتعقيد المفاوضات بينهما، بل ووضع إسفين بين سوريا ولبنان، وخاصة «حزب الله» الذي قد يفقد سوريا كداعم، ان قبلت بالعرض ورفض هو. ما ينعكس بالتالي على العلاقات السورية الإيرانية.

فعزل سوريا عن ايران يمثل هدفا لواشنطن واسرائيل، في اطار الحرب الإعلامية والدبلوماسية والاقتصادية، والتي وصلت الى التهديدات العسكرية بشأن النووي الإيراني. ولعل هذا يفسر الصمت السوري تجاه دعوتي رايس وأولمرت.

هذه المعطيات تكشف عدم جدية الطرحين الأميركي والإسرائيلي، لأن رايس لم تسلم لبنان شيئا رسميا من طرف اسرائيل، يؤكد استعدادها للانسحاب من شبعا. وهذا ما أشار اليه رئيس الحكومة المكلف فؤاد السنيورة.

يضاف لذلك ان لبنان الآن دولة بلا مؤسسات وبلا حكومة، فمع من تتفق رايس؟ ومع من ستتفاوض أميركا واسرائيل؟ وكيف تدعو واشنطن وتل أبيب الى مفاوضات دون وجود شريك؟ أليست حجة عدم وجود الشريك هي الذريعة التي ترفعها اسرائيل ـ وتعززها واشنطن ـ بوجه الفلسطينيين، كلما جرى الحديث عن تعثر السلام؟

ان هذا يؤكد ان الأمرلايعدو كونه حالة تستهدف تحقيق غايات أميركية اسرائيلية، بعيدا عن المصلحة اللبنانية.

ولم يكن مستغربا ان يعود الحديث عن الخلاف السوري اللبناني حول مزارع شبعا الى الظهور مجددا، ولن يكون مستغربا ان يعلو الصوت بقوة مجددا حول سلاح المقاومة، عندما يتم تخطي عقبة التشكيل الوزاري.

ولذا فإن الخطر الحقيقي على لبنان من هاتين الدعوتين، لم يتبلور بعد. فالآتي سيقود الى مزيد من الألغام والكمائن السياسية في لبنان، ليس فقط لاصطياد سلاح «حزب الله»، ولكن لاصطياد لبنان كله، انطلاقا من الخدعة الأميركية الإسرائيلية المشتركة بشأن مزارع شبعا.

إضاءة

أول عملية تبادل أسرى بين إسرائيل و«حزب الله» تمت في يناير من عام 1991، وأفرج فيها عن ألا52 معتقلاً. وكانت الثانية في سبتمبر من العام نفسه، تم فيها الإفراج عن 51 معتقلاً. وتوالت عمليات التبادل، وصولاً إلى العملية الأخيرة التي تعد الحادية عشرة. وكانت المرة التاسعة قد شهدت الإفراج عن الشيخين عبد الكريم عبيد ومصطفى الديراني.

وفي فلسطين تدور مفاوضات مماثلة بين حركة «حماس» وإسرائيل للإفراج عن الجندي جلعاد شاليت مقابل الإفراج عن أسرى فلسطينيين، ويكمن الخلاف حول العدد ونوعية الأسرى. ويبلغ عدد الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية نحو أحد عشر ألف أسير.

أحمد الكناني