منذ 13 سنة وبالتحديد في أوائل عام 1995 فوجئت بسلطات المطار في دولة عربية تصادر مجموعة من نسخ كتاب جديد لي، كان قد صدر في ذلك الوقت كنت أحملها كإهداءات لأصدقاء لمجرد أن من بين مفردات عنوان الكتاب كلمة «الدين».
رغم غرابة الموقف إلا أنني حاولت استيعابه في ضوء الطابع المغلق الذي كنا نعيشه على صعيد عالمنا العربي بشكل عام و الدولة المشار اليها بشكل خاص.
أذكر هنا أننى ومجموعة أصدقاء كنا نتبادل نسخا ورقية مصورة من روايات الروائي الكبير الراحل عبدالرحمن منيف وكتاب المفكر السوري محمد شحرور «الكتاب والقرآن .. قراءة معاصرة»، بحكم حظرها، فضلا عن أن شبكة الإنترنت لم تكن عامة الاستخدام على غرار الوضع الآن.
وقد فوجئت الشهر الماضي لدى متابعتي الإنترنت بتقرير حول تشويه الرقابة في لبنان لعدد 12 يونيو من مجلة «الإكسبرس» الفرنسية لاحتوائه على ملف عن الإسلام. وحسب التقرير فقد راح الرقيب يشطب بقلم الحبر السميك عشوائيا مقاطع هنا وهناك من نسخ المجلة. ما يلفت النظر ويدعو الى التأمل جدوى موقف الرقيب في ضوء طبيعة محتوى الملف وحالة السيولة الإعلامية التي نعيشها في عالمنا المعاصر.
في حدود ما نشر في التقرير وبالعودة الى المادة الاصلية المنشورة على موقع «الإكسبرس» ، فإن الملف لا ينطلق من فراغ وإنما من قضية أثارت جدلا كبيرا في فرنسا تتعلق بتطليق مهندس مسلم لزوجته الطالبة الجامعية بعدما تبين له أنها كذبت عليه بخصوص عذريتها.
الأمر هنا لا ينفصل عن قضية عامة تشغل فرنسا، سلطات ومجتمعا -ألا بل الغرب ككل -ألا وتتعلق بسبل إدماج المسلمين في المجتمع الفرنسي، على نحو يتوافق مع قيم وتقاليد فرنسا والتي تعد أكثر المجتمعات الغربية علمنة، وتفرض أكبر قدر من القيود على تغلغل الدين في الحياة العامة.
الى هنا والأمر يبدو عاديا تماما ولا يستدعي أي وقفة من رقيب لبناني أو غيره. وتتعزز هذه الرؤية في ضوء تصفح الملف بمساعدة المادة المنشورة في التقرير المشار اليه فهو يتناول مجموعة قضايا بالغة النمطية في الذهنية الغربية تجاه الإسلام والمسلمين وقد قتلت بحثا بكل معاني الكلمة والجديد فيها هو الحالة التي ينطلق منها الملف. وللإيضاح نشير الى أن عنوان الملف هو: الإسلام.. الحقائق المزعجة مع عناوين فرعية أخرى مثل «القرآن والعنف»، و«مصير النساء»، و«الحداثة المستحيلة».
ومن خلال متابعة نماذج للفقرات التي استثارت الرقيب واقتضت منه التدخل، فإنها دون مبالغة تقع كلها في سياق الرأى ولا يشتم منها النيل من الإسلام في شيء، وهناك آراء أخرى أكثر تقدما في الطرح - بغض النظر عن الموضوعية هنا - تقدم في سياق العالم العربي. إن ذلك يجعلنا نشبه من قام بتلك الفعلة بمن راح يجتهد لإزاحة ذبابة عن وجهه فيما لم يحرك ساكنا للهرب من ثعبان يكاد ان يلدغه.
ولبنان البلد التي يمثلها الرقيب نموذج لذلك، حيث هناك أكوام من الكتابات التي يبدو أن أصحابها قد نذروا أنفسهم لمحاربة الدين كدين، لا يرتبط ذلك بكونه الإسلام أو المسيحية. الحديث هنا ليس حديث تحريض، فالأفق في لبنان أوسع من أي مكان آخر، وإنما هو للتدليل والإشارة الى مفارقة ما قام به الرقيب المذكور مع واقع الحال في لبنان.
من ناحية ثانية وفيما يشير الى ما يمكن اعتباره ضيق أفق فإن مادة «الإكسبرس» لم يكن ليطلع عليها إلا من له اهتمامات محددة وهو أمر متيسر لهم من خلال شبكة الإنترنت حال تعذره في ضوء مقص الرقيب أو قلمه السميك، ما يعني أن سدادة الرقابة «مثقوبة».
ليس معنى ذلك ترك الأمور دون ضوابط وإنما ان تنطلق هذه الضوابط من أسس سليمة ، ومن رؤية لا يحكمها الخوف من كلمة تقال هنا أو هناك بشأن الإسلام .. الذي لن يضيره تقرير مجلة فرنسية وإلا لصار منذ زمن في ضوء اتساع الحملة عليه الى الحد الذي دفع بكاردينال في الفاتيكان الى أن يشير عن حق الى أن العالم - الغربي أساسا - مهووس بالإسلام!
