في السابع والعشرين من يونيو 1950، دشن الأميركيون أولى حروبهم بعد أقل من خمس سنوات من نهاية الحرب العالمية الثانية. في ذاك اليوم أصدر الرئيس الأميركي هاري ترومان أوامره بالتدخل العسكري في شبه الجزيرة الكورية.
هذه الحرب، سبقتها خلفية تاريخية تتمثل في اقتسام القوتين الأعظم، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، النفوذ في تلك المنطقة. تماما مثلما هيمن البلدان على ألمانيا وانشطرت برلين الى مدينتين يفصلهما جدار حديدي ظل قائما لقرابة عقدين. فبعد الحرب الثانية، انقسمت كوريا الى شطرين يفصلهما خط العرض 38. الشطر الشمالي الذي ترأسه الزعيم كيم ايل سونغ حظي بدعم الاتحاد السوفييتي، في عهد زعيمه جوزيف ستالين، والجنوبي ترأسه نظام سينغمان ري المدعوم من الولايات المتحدة. وكان للقوتان الأعظم قوات داعمة لكل شطر. وفي ديسمبر 1948 انسحب السوفييت من كوريا الشمالية، ثم انسحب الأميركيون من الجنوب.
ولكن بقي ميزان القوة العسكرية في شبه الجزيرة لصالح الشطر الشمالي الذي حظي بتسليح سوفييتي من مختلف الأسلحة. وهو ماشجع الشماليين على اجتياح أراضي الجنوب تحت ذريعة توحيد الكوريتين، فاجتازوا خط العرض 38 في الخامس والعشرين من يونيو 1950 بقوات تزيد على 90 ألف جندي، لتبدأ فصول أولى الحروب الدامية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. وكانت هذه المرة حربا جميع أطرافها كانوا حلفاء ضد دول المحور ( ألمانيا وايطاليا واليابان) خلال الحرب الثانية.
وعلى الفور لجأت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الغرب الى مجلس الأمن الدولي الذي استصدر بالفعل قرارا، في غياب الاتحاد السوفييتي الذي قاطع المجلس لعدم اعتراف الأمم المتحدة بالصين الشعبية وتفضيل تايوان التي كانت تسمى «فورموزا» عليها. كان قرار المجلس يقضي بفرض عقوبات عسكرية على كوريا الشمالية، وتشكيل قوة تحالف، ضمت 16 دولة على رأسها الولايات المتحدة، للرد على الشماليين. وقاد الأميركيون هذه القوة المدعومة بغطاء من الأمم المتحدة، من البلدان التالية: بريطانيا وكندا واستراليا وبلجيكا ولوكسمبورغ وكولومبيا وأثيوبيا واليونان وهولندا ونيوزيلندا وجنوب افريقيا وتايلاند وتركيا، الى جانب فرق طبية من الهند والسويد والدنمارك.
وصدرت الأوامر من قبل الرئيس الأميركي هاري ترومان صاحب قرار ضرب اليابان بقنبلتين ذريتين في ختام الحرب الثانية، بتحريك القوات الأميركية، البحرية والجوية، المتواجدة في اليابان لردع الهجوم الشمالي. وقاد الغزو الجنرال الأميركي دوغلاس ماك آرثر الحاكم العسكري لليابان. وفي ظل الاستعدادات الأميركية وتحرك التحالف العسكري الذي قادته واشنطن، كانت قوات كوريا الشمالية، وبعد خمسة أيام من الغزو (يوم 28 يونيو)، قد تمكنت من دخول مدينة سيئول عاصمة كوريا الجنوبية.
وبعد 80 يوما من اندلاع الحرب، تدخل الأميركيون بشكل فعال في القتال. ففي 15 سبتمبر 1950 أمرالجنرال آرثر بإنزال قوات بحرية خلف خطوط الدفاع الكورية الشمالية وقطع خطوط اتصالاتها وإمداداتها، وتحصنت قواته قرب مدينة إنشون الساحلية غرب كوريا الجنوبية على بعد 40 كيلومترا فقط من مدينة سيئول.
وفي الثامن والعشرين من سبتمبر استعاد الأميركيون وحلفاؤهم العاصمة الكورية الجنوبية، وأرغم القصف الأميركي قوات الشمال الى التراجع الى داخل حدود خط العرض 38. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. فقد أصر الرئيس ترومان على أن يقضي على النظام الكوري الشمالي الشيوعي. فعبرت القوات الأميركية خط العرض 38.
وفي 7 أكتوبر 1950 دخلت قوات التحالف التي يقودها الأميركيون أراضي كوريا الشمالية وبعد عشرة أيام احتلت مدينة بيونغ يانغ عاصمة الشمال. ثم تمكنت قوة أميركية من الوصول الى ضفاف نهر يالو الفاصل بين شبه الجزيرة الكورية والصين. وهنا ازداد الموقف اشتعالا. اذ كانت القوات الأميركية قد وصلت الى الحدود الصينية.
ولم يكن أمام بكين سوى الرد العسكري. وقاد الجنرال لين بياو الجيش الشعبي الصيني السادس الذي خاض معركة ضارية لصالحه، ارغمت الأميركيين وحلفاءهم على التراجع. بل واستطاع الصينيون بقوات تزيد على 300 ألف جندي، من استعادة بيونغ يانغ عاصمة الشمال خلال سبعة أسابيع من الاحتلال الأميركي للمدينة، ثم تمكنوا من احتلال العاصمة الجنوبية سيئول في الرابع من يناير 1951.
ومن جديد وفي 21 يناير، أعاد الأميركيون بواسطة الجيش الأميركي الثامن هجومهم ونفذوا ما سميت عملية «كيلر» التي بمقتضاها استردت سيئول في 14 مارس بعد انسحاب الصينيين.
ثم وصلت قوات التحالف الى خط العرض 38، وتجاوزته قليلا في 22 ابريل بأمر من الجنرال آرثر الذي أصر على مواصلة هجومه من جديد، فعزل من منصبه وجاء الجنرال ماثيو ريدغواي. وحتى أواخر يونيو 1951، أي بعد عام من المعارك الدامية، بدت الحرب غير محسومة لاغالب فيها ولامغلوب. فلا كوريا الشمالية مدعومة من الصين استطاعت توحيد شبه الجزيرة الكورية، ولا النظام الجنوبي المدعوم من أميركا تمكن من القضاء على الشيوعية.
وتم في نهاية المطاف وبعد عامين من المفاوضات، التوصل الى هدنة في 27 يوليو 1953 عند بلدة بانمونغوم الواقعة على خط العرض 38 الفاصل بين الكوريتين. هذه الهدنة التي مر عليها قرابة 55 عاما مازالت قائمة، وفي ظلها مازال أيضا امل الشمال والجنوب في الوحدة قائما.
إضاءة
القوات المشاركة في الحرب الكورية، كان قوامها كالتالي: 260 ألف جندي تركي، 35 ألف جندي من الأمم المتحدة، 340 ألف جندي من كوريا الجنوبية، 865 ألف جندي من كوريا الشمالية والصين.
وتعد الحرب الكورية من أكثر حروب القرن العشرين دموية. وتقدر الخسائر البشرية بحوالي أربعة ملايين ما بين قتيل ومفقود وجريح، وكان ضحايا المدنيين ضعف ضحايا العسكريين. وتصنف الضحايا كالتالي:
ــ خسائر كوريا الجنوبية 147 ألف جندي قتيل و210 آلاف جريح.
ــ كوريا الشمالية 300 ألف جندي قتيل و220 ألف جريح
ــ عدد ضحايا المدنيين الكوريين مليونا قتيل.
ــ خسائر الأميركيين أكثر من 50 ألف قتيل.
ــ خسائر الحلفاء تزيد على 3 آلاف قتيل.
ــ خسائر الصينيين 200 ألف قتيل.
حسن صابر

