في عصر التقنيات المنفتحة على المعلومات وتداولها بسهولة تنزاح الكثير من الدعائم التي كانت تشكل في مجملها بما يعرف بالأسرار بمعناها القديم، وأولى هذه الدعائم أهمية السر عند صاحبه، ومن المؤتمن عليه إذا ضاقت به النفس؟ وهل يفضل أن يكون المؤتمن صديقا أم من الأهل؟
يضاف إلى ذلك مقولة أن السر إذا عرفه أكثر من اثنين لم يعد سرا، ولأننا بصدد رؤية الشباب لمفهوم السر من وجهة نظرهم في ظل الانفتاح المعلوماتي والتقني الذي يجيدونه وهم معنيون به أكثر من الأجيال السابقة، ولأنهم أيضاعلى تماس مع معطيات جديدة ومغايرة للمألوف، يفقد السر كثيرا من أهميته العتيقة بالنسبة إليهم، لكن في الوقت نفسه وبفضل التقنيات يعود السر أكثر انغلاقا ورجعية عندما يباح به لمجهولين كما هو على مواقع «الشات» والتعارف، وفي كل الأحوال يظل مفهوم السر عند الشباب رهن تفكيرهم الخاص، فماذا يقولون؟.
معنى هلامي
هدى عمر - طالبة جامعية - ترى في مفهوم السر معنى هلاميا لا يمكن تأطيره في قالب يطبق على جميع الناس، فلكل شخص تقديره الخاص لسرية ما لديه من معلومات أو ممارسات، ويوازن دون قصد منه بين ما هو متاح للآخر أن يعرفه من عدمه مهما كانت درجة الصداقة أو القرابة، ويتوقف الأمر كذلك على مستوى ثقافة الشخص ومساحة الحرية التي يتحرك فيها والممنوحة له من محيطه، صحيح أن هناك أشياء نخجل من الحديث فيها إلا مع أناس بعينهم مع أنها أشياء طبيعية ومشروعة.
لكن الخجل فقط هو الذي يمنع تداولها بصورة منفتحة، ولا أظن أن ذلك يعد من الأسرار بدليل أن ما أخجل أنا من ذكره يقوله الآخرون سواء بالتلميح أو التصريح من دون خجل، أما من ناحية التقنيات ودورها في تحجيم مفهوم السر فأنا أرى فيها وسائل تلصص على الخصوصيات أكثر من كونها وسيلة لكشف الأسرار.
خوف وخجل وخصوصيات
وتذهب بنا منال أحمد ـ طالبة جامعية ـ إلى فضاءات مغايرة لمفهوم الأسرار وتحدده بثلاث نقاط وهي الخوف والخجل والخصوصيات، تقول: بالطبع يحتاج الإنسان لأن يتكتم على أمور شديدة الخصوصية لأنها جزء من تكوينه النفسي والعقلي والجسدي وحتى العاطفي.
وفي بعض الأحيان نحتاج لأن نتحدث مع شخص في أمر خاص ومشروع لنستأنس برأيه وبنصيحته ولا ضير في ذلك إذا كانت لدي هذا الشخص الخبرة والصدق، أما الخجل فهو يقودنا للثرثرة مع أقراننا وقد نجد شيئا مما قلناه عن أنفسنا متداولا بين آخرين، أما الطامة الكبرى فهي في الخوف، وأظن أن مفهوم السر ينحصر في هذه النقطة دون غيرها عند السابقين وعند الشباب الآن، فماذا يمكن أن نفعل في السر ولا نريد لأحد أن يعرفه سوى أشخاص بعينهم؟
لا شئ سوى ما يتنافى مع الدين أوالعرف الاجتماعي، وهنا من وجهة نظري ينتهي مفهوم السر ليحل محله التواطؤ مع صديق أو صديقة على فعل غير أخلاقي، لنجد أنفسنا في النهاية أمام شخصيات ضعيفة، وبالنسبة لي استقي المعلومة من داخل الأسرة واستشير والدي في كل صغيرة وكبيرة.
معلومة لأصحاب الثقة
أما تامر الدبس - طالب جامعي - فيقول: مفهوم السر عندي هو كل معلومة أو ممارسة لا يريد المرء أن يعرفها أحد سوى من يثق فيهم، ولا فرق عندي إن كان هذا السر مقبولا أو مرفوضا من الآخرين، فهو في النهاية بمثابة أمانة توسم في رحابتي مساحة للفضفضة والبوح من قبل صديق أو حتى صديقة، وما دمت تسأل عن الشباب فأسرارهم عاطفية بحتة وهذا أمر طبيعي، لكن من مشاهداتي وحتى من توجهاتي الشخصية أرى الشباب ينأون بأسرارهم عن الكبار لتظل فيما بينهم فقط، وأسباب ذلك كثيرة أولها الأمور العاطفية وخصوصا الوقتية، فأي أب هذا الذي سيسمح لأبنه أو بنته أن يحب بشكل مشروع وهو ما زال يدرس؟
أما العلاقات الطفولية أو العابرة أو حتى الزمالة فأمامها الكثير من الوقت لتأخذ وضعها وحجمها الطبيعيان، أما المفاجأة فتكمن في الانفتاح بين الشباب وعلاقاتهم ببعضهم البعض علانية لأنهم يفهمون ويتفهمون ما يحدث بينهم بما في ذلك المتشددون منهم.
مفهوم قديم
ويرى حسن هشام - طالب جامعي - أن السر مفهوم قديم وسيظل ما دام هناك بشر وممارسات على وجه الأرض إلى أن تقوم الساعة، لكن المفهوم يتغير حسب كل معطى جديد يأتي به الناس وخصوصا الشباب، يقول: لكل شخص على وجه البسيطة سر إما يحتفظ به لنفسه أو يفشيه لأحد من أصدقائه أو أقاربه، وما يعنينا نحن الشباب في هذا الأمر أن رتم الحياة قد اختلف.
وإذا كان الاحتفاظ برسائل وصور الحبيب سرا في الماضي، فإن الهواتف الحديثة تمكننا الآن من التواصل والتقاط الصور بل ومقاطع فيديو إذا لزم الأمر، وهنا يأتي دور السرية من عدمه بين الأطراف، فقد تنتشر الصور والمقاطع على الملأ مع لعبة التقنيات الحديثة لتنقلب السرية إلى فضائح، وأظن أن معظم الشباب قد فطنوا لهذه اللعبة ويواجهونها على الأقل فيما بينهم بالصراحة والصدق في علاقاتهم.
أختفت الأسرار
ويقول محمد عبد الرحيم - طالب جامعي: أظن أن نسبة كبيرة من الشباب تجاوزت هذا المفهوم بمعناه القديم، وتحررت من القيود التي كانت تؤدي إلى ممارسات خفية، فلم يعد سرا أن يلتقى الشاب بالفتاة تحت غطاء الصداقة غير المعترف بها عند الأجيال السابقة، ولم يعد سرا أن تصارح الفتاة أسرتها بمن تحب، ولم يعد سرا أن يتحدث الشباب بعلمية خالصة عن المتغيرات الجسدية التي شعروا أو يشعرون بها، ما كان سرا في الماضي تجاوزته الحركة العلمية والموجة التقنية وحتى وسائل الإعلام، لكن تظل الأخطاء والممارسات غير الأخلاقية والشرعية مرهونة بالسرية وبالتالي تخضع لمفهوم الأسرار سواء عند الشباب أو غيرهم.
عز الدين الأسواني

