تربطه بالبحر علاقة قوية، فقد رافقه منذ كان صغيرا، فكثيرا ما لعب على رمله وغسل وجهه بمياهه المالحة، وما أن اشتد عوده حتى ركب أمواجه رفيقا لوالده في صيد السمك وكان في الثانية عشرة من عمره، وبعدها بثلاث سنوات رافق والده في رحلة الغوص، ليعمل على ظهر السفينة في فلج المحار أو ''يلاس'' باللغة المحلية.
لناصر الكاس، رئيس جمعية إبن ماجد للفنون الشعبية والتجديف، المولود في فريج آل علي برأس الخيمه في بداية الاربعينيات حسبما يذكر، حكايات طويلة مع البحر، عاش خلالها شظف العيش، وذاق مرارة الغوص، وتعلم فيها صبر الصيد، وتذوق متعة السفر بين أحضان الموج إلى البحرين ومن ثم الكويت التي عمل فيها بالغوص وغيره ليعود بعدها إلى الوطن ليتزوج بمهر قدره 2000 روبية. ورغم تكالب الزمن لا يزال العم ناصر مخلصا لرفيقه، يزوره بين الفينة والأخرى، ليمارس معه لعبه الصيد التي تعلم جميع وسائلها واساليبها، وليراقب السفن التي لا يزال يحفظ أنواعها ككف يده.
العم ناصر ما زال حتى اللحظة يردد شلات البحر ويدندن إيقاعات فنونه التي ارتبطت جلها برحلات الغوص التي كانت تمتد لثلاثة أشهر، وصيد السمك وهمة دخول البحر، فقد كان للبحر أثر في صياغة التراث الفلكلوري للإماراتي، ولا تزال ذاكرته تحتفظ بايقاعات فنون أهل الساحل والبدو رغم قدمها واندثار بعضها لتتحول ذاكرته إلى موسوعه تؤرخ للتراث والفن الشعبي. يبدأ العم ناصر رحلته من فنون البحر، فيقول: «لم يكن في رحلات الغوص الطويلة ما يروح عن النفس سوى الفن الذي كان يأتي عبر صوت النهام الذي يشدو أغنيات تحث على الصبر والجلد أو تذكر بالأهل والأحباب الذين لم يفارقوا الشواطئ انتظارا لعودتهم، كان النهام يشدو بصوته أثناء العمل ووقت الاستراحة ليردد طاقم السفينة من وراءه أو يتفاعلون معه بالتصفيق».
ولم يكن الفن الشعبي الاماراتي مرتبطا بالبحر فقط وإنما بالحياة العامة ايضاً، فهناك العديد من الفنون والرقصات الشعبية كان اهل الساحل والبدو يمارسونها، وأبرزها فن «العياله» الذي يعد أحد الفنون العربية الأصيلة، ويحتل مكان الصدارة بين الفنون الإماراتية، وقد ارتبطت رقصة العيالة بأهل الساحل والبدو مع اختلاف بسيط بينهما في طريقة الأداء، حيث يقوم بأدائه ثلاث مجموعات من الرجال في وقت واحد، أما أهل البحر فكان لهم «العياله البحرية»التي تعد إحدى فنون النهم ÷ أي أغاني البحر ÷ وكانت تؤدى أثناء صيد السمك. وكان لهم أيضا «الحدوة البحرية»، وهي امتداد لفن العرضة مع اختلاف في الطقوس والتقاليد التي يتمسك بها البحارة على ظهر السفينة لأن الأعمال المطلوب إنجازها أثناء سير السفينة تتطلب نوعا من الغناء يناسب الحركة والسرعة والظروف المحيطة بهم في البحر، بينما كانوا يغنون التقصيره وهي إحدى أناشيد البحر عند سحب السن إلى المرساة لتغيير موقع السفينة. وتعد رقصة «يا مال» التي كانت تؤدى عند إقلاع السفينة أو إنزالها للبحر، من أشهر الرقصات المرتبطة بالبحر إلى جانب إنها من أقدم الرقصات الحضرية الغنائية، وكذلك رقصة «المجيلس»التي كانت تؤدى بأكتاف متلاصقة وأيد متماسكة تعبيرا عن قوة الترابط بين الجماعة.
شلات وقصائد
يقف العم ناصر لحظات ليبدأ بعدها بالالقاء على مسامعنا ما يحفظه من قصائد وشلات غزلية كانت تردد قديما عند دخول البحر فيقول:
''يوم رق الليل وأسودي
يا هموم بت جاسيها
بت أعاذل صافي الخدي
دمعتى من الموق جاريها
بصنع لخلي وبردي
بترك الدنيا وما فيها''
لبرهة من الزمن يغيب نظر العم ناصر بعيدا، ليغرق في صمت زاد من صمت المكان، محاولا تذكر شلة غزلية طويلة كانت تردد في أوقات الاستراحة أثناء رحلة الغوص، وما أن حضرته حتى أنشد علينا قائلا:
آه هنا ونيت من عله
يوم ريت صوحبي ناكر
ما خبر ما بينا زله
قمت سالي الناس وأفاكر
الكوس خبرني عن بالرجاوي
جان يايب علم أوكيدي
قال لاحشى ما ييت البلادي
ييت أنا مخطف من بعيدي
انشغلني توح الأيادي
إلا معكم غوص المجيدي
فن المالد الديني
ويواصل العم ناصر شريط ذكرياته عن الفنون الشعبية فيقول: «قديما عرفنا فن «المالد» الذي كان يؤدى في ليلة النصف من شعبان وفي ليلة الإسراء والمعراج، وفي بعض المناسبات الاجتماعية والأعراس، وأذكر أن فرقة المالد لم تكن تبدأ إلا بعد انتهاء جميع الفرق من فنونها، ويجب أن يكون جميع أعضاء الفرقة من الرجال، حيث كانوا يجلسون في صفين متقابلين، الأول: يضم المنشدين وضاربي الدفوف يتوسطهم رئيس الفرقة، والثاني: يضم الرديده.
العرضه تشبه العياله
أما رقصة «العرضه»فقد ارتبطت بأهل الساحل وهي تشبه العياله مع اختلاف في الآلة والإيقاع، وتؤدي هذه الرقصة فرقة تتكون من ضاربي الطيران يصاحبهم حملة الطبول، حيث ينصب البيرق في الوسط ويقف حوله العازفون ثم تأخذ الصفوف أماكنها المناسبة، حيث تتقابل الصفوف لتناوب الإنشاد والرد، في حين يقف صفان آخران متقابلان من حملة السيوف والبنادق ليشكلا ما يشبه المربع.
الدان والدحة البدوية
وهناك فن «الدان»وهو من الفنون القديمة التي انتقلت من إقليم الباطنيه في عمان إلى ساحل الامارات، وهو يجمع بين الغناء والرقص في آن واحد، ويشترك في أداءه الرجال والنساء. في حين ارتبطت رقصة «الدحه» بالبدو، وتؤديها إمراة واحدة داخل حلقة من الرجال ويبرز لها من يراقصها، أما رقصة «الزفان» فكانت تعقد أثناء حفلات السمر في داخل البيوت، ويقوم بها الرجال والنساء في خطوات إيقاعية جميلة مع الجلوس بثني الركبتين أو القفز في الهواء بين الحين والآخر. وهناك رقصة «الهابان»التي جاءت من فارس ويشارك فيها صفان متقابلان من الرجال والنساء.
الطنبورة والليوا الافريقية
ومن الرقصات الإفريقية التي دخلت على مجتمعنا رقصة ''الطنبورة'' التي يكون فيها الرجال والنساء في حلقات متداخله ويرقصون معا على عزف الطنبورة والطبول الكبيرة، وكذلك فن «الليوا»الذي ذاب في المجتمع الخليجي، حيث يتوسط الفرقة عازف المزمار الصرناي.
الرواح المشهور
بينما يعتمد فن الرواح أبرز الفنون الشعبية على نوع معين من الطبول المصنوعه من جذوع أشجار السمر، وتدق طبول الرواح في المناسبات والأعراس، حيث يقف الرجال إلى جانب بعضهم البعض في صف طويل ويحمل كل واحد منهم طبلاً، ويتخلل فترة الدق بين الحين والآخر غناء جماعي، حيث تردد كلمة معينة بطريقة معينة وهادئة.
الندبة واللقية الشحيه
وينتشر فن «الندبه» لدى قبيلة الشحوح، حيث يجتمع أعضاء الفرقة ويبدأون بالنداء شوحو.. هو.. هو.. دو، وكانوا يرددون هذا النداء في الأفراح والحرب، كما ينتشر لديهم «فن اللقية» وهو عادة اتبعها الشحوح عند استقبالهم للقبائل الزائرة والمهنئة، وفيها تطلق الأعيرة النارية التي يصاحبها بعض الرقصات والرزيف والعرضه، ولفن اللقيه طقوس معينة تنم عن عادات أهل الشحوح وكرمهم.
إضاءة
تعتبر جمعية ابن ماجد للفنون الشعبية والتجديف من اولى المجمعيات في الامارات، حيث اسسها بعض المهتمين باحياء التراث الشعبي الاماراتي في منطقة المعيرض برأس الخيمة لتتولى ممارسة الفنون الشعبية واحياء التراث الشعبي وتقديم السباقات البحرية والاهازيج الشعبية وممارسة الانشظة التراثية مثل سباق السفن واقامة المعارض التراثية وغيرها.
غسان خروب



