عودة فرنسا القريبة إلى القيادة العسكرية الموحدة لحلف الأطلسي - الناتو - ، التي أعلن عنها الرئيس ساركوزي؛ تنطوي على أبعد من قطيعة مع الإرث الديغولي. هي في أبعادها ومفاعيلها، تشكل تحوّلاً في الدور الفرنسي القيادي؛ على الصعيد الأوروبي. وبالذات فيما يخص الاتحاد الأوروبي واستكمال بناء مؤسساته؛ ومنها بناء القوة الدفاعية الأوروبية. طبعاً ساركوزي سارع إلى نفي ذلك.
لكن نفيه يدخل في باب التسويغ والتلميع - وربما التمويه - ، أكثر مما يندرج في خانة التوصيف الفعلي لهذا الانعطاف التاريخي؛ الذي تلوح في ثناياه علامات تراجع عن مراهنة فرنسا على أوروبا
الدور الفرنسي في بلورة الشخصية الكيانية الأوروبية والعمل على مأسستها، ريادي. بدأت المسيرة بمشروع اقتصادي اتحادي متواضع،في مطلع الستينات.
الفكرة طرحها وزير فرنسي. وكانت الانطلاقة للسوق الأوروبية المشتركة. ثم جاءت اتفاقية روما عام 1957، لتضع القطار الأوروبي على سكّة الاتحاد. عام 1966 أعلن الرئيس ديغول، انسحابه من القيادة العسكرية لحلف شمال الأطلسي. قرار تاريخي استقلالي، عن واشنطن وبريطانيا. صحيح أنه كان ذا طابع عسكري. لكنه لم يخل من البعد السياسي. كان فيه نفحة تمرّد أسس، ولو ضمناً، لبلورة الهوية الأوروبية.
توالت اتفاقيات الاتحاد الست وآخرها لشبونة، التي وافق عليها البرلمان الأوروبي في فبراير الماضي. طوال هذه الفترة كان الحضور الفرنسي، في الواجهة. خاصة أيام الرئيس شيراك، الذي تمّت في عهده صياغة الدستور الاتحادي الأوروبي، على يد لجنة برئاسة فاليري جيسكار ديستان؛ الرئيس الفرنسي الأسبق. بالترافق مع هذه الخطوات الاتحادية، كانت مواقف وتوجهات الرئيس شيراك، تتماشى مع تعزيز الاستقلالية الأوروبية.
وقف مع قيادات أوروبية أخرى، مثل المستشار شرودر، ضدّ حرب بوش على العراق. اعتمد سياسة مختلفة عن سياسة واشنطن، حيال القضية الفلسطينية؛ ما كانت تروق لإسرائيل. رفع شعار عالم متعدّد الأقطاب، بدلاً من الأحادية الأميركية.
خلال رئاسته، بلغت الديغولية طوراً متقدماً من الابتعاد عن سياسات التفرد والإملاء والحروب، الأميركية؛ التي وصلت ذروتها مع إدارة الرئيس بوش. لكن هذا الزخم الاتحادي الاستقلالي، تلقى أول صدمة من الفرنسيين، عندما صوتوا، في استفتاء عام، ضدّ الدستور الأوروبي. ثم تبعتها صدمة أخرى،في الاستفتاء الهولندي. وقبل أيام، لحقت بهما إيرلندا، في الرفض.
يأتي كل ذلك عشية تولّي فرنسا رئاسة الاتحاد الأوروبي، التي تبدأ في أول يوليو القادم؛ وحتى آخر العام الجاري. خاصة إعلان الرئيس ساركوزي، عن العودة القريبة لبلاده إلى القيادة العسكرية للناتو. فهو بذلك بدا، عن عمد أو بالصدفة، وكأنه يضع عنواناً أطلسياً للاتحاد. أو انه يتجه إلى تغليب الانتماء الأطلسي على الأوروبي. فالتزامن هنا ليس من غير رمزية.
ومغادرة توجه، عمره أكثر من أربعة عقود، التزم به كافة الرؤساء الذين تعاقبوا بعد ديغول، ليس من غير مدلول استراتيجي. في خطابه، قبل أيام، قال إن لجنة الاختصاصيين «توصلت إلى استنتاج مفاده أن لا مانع في أن نشارك في الأطر العسكرية لحلف الأطلسي». لكن فرنسا، منذ ديغول، بقيت خارج هذه القيادة؛ ليس لأنه كان هناك ما يمنع دخولها. هي اختارت هذا البقاء، تأكيداً لرغبتها في التمايز والاستقلال، عن الناتو. وبالتحديد عن واشنطن.
صحيح أن الظروف تغيرت. غير أن التغيير حصل، إجمالاً، باتجاه تعزيز بلورة الخيار الأوروبي واتحاده؛ ولو أن مسيرته تعرقلت، في الآونة الأخيرة. لكنها عرقلة لم تمنع القادة الأوروبيين، في قمتهم نصف السنوية الأخيرة، الأسبوع الماضي، من التشبث والبحث عن خيارات لإنقاذ اتفاقية لشبونة؛ الدستورية - التي حددت نهاية العام الجاري لإحداث تطور نوعي يتمثل بإنهاء العمل بنظام الرئاسة الدورية - .
بدل أن تكون فرنسا هي السباقة إلى مثل هذا الدور، فإذا برئيسها ساركوزي يعلن بأن الاتحاد لن يكون قادراً على الوفاء بمواعيد العضوية، ما لم يجد حلاًّ للوضع الراهن.
ربما وجد الرئيس ساركوزي، أن الحل يكون بالانعطاف نحو الناتو؛ وأن مشروع الاتحاد بدأ يخبو. وربما كان أيضاً ان العودة إلى الأطلسي، سمحت له الإعلان عن خفض حجم القوات الفرنسية بخمسين ألفاً؛ على مدى سبع سنوات. لكنها بكل حال خطوة ارتدادية التحاقية باتجاه واشنطن؛ قد تجعل منه أن يكون نيقولا بلير الفرنسي وبجدارة.
