فرض الملف النووي الإيراني نفسه بقوة على الساحة السياسية والعسكرية والاقتصادية خلال المرحلة الماضية وكسب زخما متزايدا بعد الجولات الماراثونية من المفاوضات والمباحثات التي يقوم بها منسق العلاقات السياسية الخارجية بالاتحاد الأوروبي خافيير سولانا ولقاءاته المتكررة مع المسؤولين الإيرانيين ناقلا إليهم عروضا أوروبية وغربية مابين «جنة الوعيد» و «نار التهديد».. وبين هذا وذاك مازال الموقف الإيراني علي ما يبدو متماسكا وقويا ولم يرضخ بعد للتهديدات الإيرانية. وحول حزمة الحوافز والعقوبات التي تضمنها العرض الأوروبي الأخير لإيران تدور هذه السطور.
يشير استاذ الدراسات الإيرانية بجامعة عين شمس والخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور محمد سعيد عبد المؤمن إلى تقدم الاتحاد الأوروبي من خلال المنسق العام للسياسة الخارجية الأوروبية خافيير سولانا بمجموعة من المحفزات لإيران وقيل انها لا تشتمل عقوبات منها ما يتعلق بالنشاط النووي الإيراني وكذلك النواحي الاقتصادية والنواحي السياسية إلا أن هذا العرض لم يكشف عن تفاصيله وإن كان في حدود ما نشر يمكن القول ان العرض لا يحتوي على أي جديد ولكن خيارته مفتوحة .
وأضاف: ان هناك مقارنة بين العرض الذي تقدمت به إيران لحل مشكلة ملفها النووي وبين ما قدمه الاتحاد الأوروبي مؤخرا حيث تشير المصادر إلى وجود نقطة خلاف عميقة بين الطرفين تتعلق بموضوع وقف تخصيب اليورانيوم والذي تعتبره إيران خطا أحمر لا ينبغي على أحد تجاوزه.. بينما تصر القوى الدولية على أن وقف تخصيب اليورانيوم هو محور أي مباحثات وأساس أي مفاوضات ومنتهى كل حوار. وأشار عبد المؤمن إلى أنه من المؤكد أن العرض الأوروبي لن يكون العرض الأخير خاصة في ظل الهوة الكبيرة في مواقف الطرفين مع رغبتهما في الوصول إلى حل ما وهو ما صرح به خافيير سولانا من أن العرض الأوروبي المقدم لإيران مفتوح ويمكن التباحث حوله للوصول إلى نقاط للتلاقي بين الطرفين وهو أسلوب جديد يتبعه الاتحاد الأوروبي في تعاطيه مع الملف النووي الإيراني.
وحول وضعية الخيار العسكري في التعامل مع الملف النووي الإيراني في العرض الأوربي.. أكد أن هذا الخيار العسكري غير مطروح إلا من دولتين فقط وهما الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، أما بقية دول العالم فهي غير راغبة فيه حتى ومع وجود مثل هذا الخيار إلا أنه يأتي في مؤخرة الخيارات المطروحة والدول العربية تسعى لاستنفاد جميع الخيارات المتاحة بعيدا عن الخيار العسكري كما أن إيران حريصة أيضا على أن لا تجعل الخيار العسكري هو الخيار الوحيد والمتاح.
ويقول استاذ الدراسات الإيرانية بجامعة طنطا ورئيس تحرير التقرير الاستراتيجي الإيراني السنوي الدكتور مدحت حماد: إن العرض الذي تقدم به الاتحاد الأوروبي حول الملف النووي الإيراني تضمن حزمة من الحوافز الأوروبية عن طريق ممثله للسياسة الخارجية خافيير سولانا ولم يتضمن أية عقوبات وإنما تضمن ما يمكن أن نطلق عليه بالتهديدات بأنه في حال ما لم تستجب إيران للحوافز والتمسك بتخصيب اليورانيوم فإن الدول الكبرى ستقوم باللجوء لمجلس الأمن لتغليظ العقوبات كما ستقوم الدول الأوروبية بفرض عقوبات اقتصادية وسياسية وصفت بالموجعة.
وأضاف حماد: أن العرض الأوروبي حمل أيضا مجموعة من الحوافز في إطار ما يعرف بالعصا والجزرة حيث تشتمل مجموعة الحوافز على قيام الدول الأوروبية بمساعدة إيران في بناء المحطات النووية لتوليد الطاقة الكهربائية ومساعدتها كذلك في الحصول على التكنولوجيا النووية المتقدمة.
وأكد أن أهم ما في الحوافز الأوروبية التعهد بتوفير قطع الغيار الحديثة لأسطول الطائرات المدنية الإيراني وضمان الحصول على موافقة الولايات المتحدة الأميركية على إمداد إيران بقطع غيار الطائرات الإيرانية من طراز «بيونغ» حيث يضم الأسطول الإيراني نحو 80 طائرة بوينغ متوقفة تماما عن العمل بفعل المقاطعة الأميركية وحظر تصدير قطع الغيار للطائرات البوينغ.
وأوضح أن سلة الحوافز الأوروبية تضمنت أيضا تعهد الولايات المتحدة وأوروبا بالاعتراف بدور لإيران في حفظ وحماية الأمن والسلم في منطقة الشرق الأوسط ودعم مكانة إيران السياسية والاقتصادية والعسكرية فيما يخص منطقة الشرق الأوسط والاعتراف بدور إيران في حفظ الأمن بمنطقة الخليج ويعد الحافزان المتعلقان بالاعتراف بدور إيران في المنطقة وتعهد الولايات المتحدة بتجديد أسطول الطيران الإيراني من أهم الحوافز المقدمة وخاصة أنها تساعد إيران بشكل كبير على دمجها بمنظمة التجارة العالمية وتعمل على إلغاء كافة القيود المفروضة من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وهو ما يعني عودة إيران كعضو كامل العضوية بالمنظمة.
واستبعد الدكتور مدحت حماد استمرار الخيار العسكري من قبل الدول الكبرى في تعاطيها مع أزمة الملف النووي الإيراني، معربا عن اعتقاده بأن الخيار العسكري ورقة فقدت مصداقيتها وأهميتها نظرا لانتهاء وقتها بعد أن أصبحت الظروف الدولية والمعطيات العسكرية بالإضافة للقدرات الإيرانية تمنع مثل هذا الخيار العسكري خاصة وأن إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش تلملم أوراقها وتستعد للرحيل وهو لا يستطيع أن يبدأ حربا لا يعرف متى تنتهي..
كما أن روسيا لن تقبل بنشوب هذه الحرب لوجود علاقات سياسية واقتصادية مع إيران وكون إيران حليفا استراتيجيا لموسكو وكذلك فإن الدول الأوروبية غير مستعدة لدخول حرب جديدة أو مأزق جديد لا تعرف منتهاه وهي غير مستعدة لدخول مستنقع جديد كمستنقع كوسوفو أو أفغانستان والعراق وقبلهم الصومال.. أيضا فإن دول الخليج ترفض هذا الخيار العسكري لأنها تعلم جيدا أنها ستكون الخاسر الوحيد من تلك الحرب والتي ستدخلها وتدور رحاها على أراضيها بالنيابة عن الدول الكبرى التي ستدير المعركة عن بعد..
وكذلك فإن إيران على المستوى الاستراتيجي متمكنة من كافة القدرات العسكرية الأميركية والأوروبية في المنطقة والمتواجدة في دول الجوار الخليجي وغيرها من الدول والتي تقع ضمن نطاق قدرات الأسلحة الإيرانية، هذا بالإضافة لما تتمتع به إيران من إمكانيات اقتصادية وجغرافية وبشرية وعسكرية وعلاقات دولية مما يصعب من استعمال مثل هذا الخيار العسكري ويجعله أمرا مستبعدا.
ومن جانبها، قللت أستاذ الدراسات الإيرانية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتورة نيفين مسعد من أهمية العرض الأوروبي الخاص بالملف النووي الإيراني حيث أكدت على وجود هوة كبيرة ما بين الموقفين الأوروبي والإيراني مشيرة إلى أن الموقفين ما زالا بعيدين عن التعامل مع ما يعتبره كل منهما خطا أحمر وهو عملية تخصيب اليورانيوم.
وقالت: إنه في الوقت الذي يؤكد فيه الإيرانيون أن تخصيب اليورانيوم حق مشروع وأنهم لن يتنازلوا عن هذا الحق ويسارعون الخطى ويسابقون الزمن للوصول سريعا إلى هذا الحق ووضع المجتمع الدولي والقوى الكبرى أمام الأمر الواقع.. فإن الدول الأوروبية والولايات المتحدة تؤكد ضرورة عدم السماح لطهران للقيام بتخصيب اليورانيوم معتبرة ذلك خطا أحمر على الإيرانيين عدم تجاوزه..
وهذه الفجوة الكبيرة في مواقف الطرفين تؤكد أن العرض الأوروبي الأخير لن يكون أكثر حظا مما سبقه وسيلقي نفس المصير طالما أن كلا من الطرفين يصر على مواقفه ويعتبرها غير قابلة للنقاش، محذرة من الإسهاب في تعليق الآمال على هذا العرض وغيره من العروض المستقبلية المتوقعة.
إضاءة
ترفض دول الخليج الخيار العسكري لأنها تعلم جيدا أنها ستكون الخاسر الوحيد من تلك الحرب والتي ستدخلها وتدور رحاها على أراضيها بالنيابة عن الدول الكبرى التي ستدير المعركة عن بعد.. وكذلك فإن إيران على المستوى الاستراتيجي متمكنة من كافة القدرات العسكرية الأميركية والأوروبية في المنطقة والمتواجدة في دول الجوار الخليجي وغيرها من الدول والتي تقع نطاق قدرات الأسلحة الإيرانية هذا، بالإضافة لما تتمتع به إيران من إمكانيات اقتصادية وجغرافية وبشرية وعسكرية وعلاقات دولية مما يصعب من استعمال مثل هذا الخيار العسكري ويجعله أمرا مستبعدا.
سباعي إبراهيم


