عاد ملف البرنامج النووي الإيراني إلى احتلال موقع الصدارة في الاهتمام الدولي مجددا على وقع العرض الغربي لطهران المسمى بـ «حزمة الحوافز»، وسط تساؤلات وتخمينات بشأن مستقبل هذا العرض وما إذا كان سيواجه مصير سابقه الذي قدم في يونيو عام 2006، أم سينجح في تحقيق اختراق على صعيد الأزمة التي يحاول حلها؟

ووسط موجة من الآمال الغربية بأن يلقى العرض استحسان إيران في ضوء اختلافه عن سابقه ، وكونه يعتبر نسخة معدلة ومحسنة، إلا أن تطورات الموقف حتى الآن تصب في جهة التأكيد على فشل العرض مرحليا ما قد ينتهي بدخول الملف مرحلة أخرى من التصعيد، قد تتطور الى مستوى أزمة تهدد النظام الدولي وليس إيران أو المنطقة فحسب، الأمر الذي يتوقف على استعداد كل طرف الوصول بالأزمة إلى مراحلها القصوى.

فمن ناحية استبق الإتحاد الأوروبي الموقف الإيراني بفرض إجراءات مشددة جديدة على طهران في إطار العقوبات المنصوص عليها في القرارات الأممية ، الأمر الذي نددت به إيران باعتباره يضر بالجهود الدبلوماسية المبذولة لتسوية الأزمة.

اختلاف في الرؤية

نحاول في هذه السطور استقراء أبعاد الموقف الغربي وتطوره ودلالات ذلك واستشراف ملامحه المستقبلية في ضوء طبيعة التشابكات والتعقيدات التي تحكم التحرك على صعيد هذا الملف. ويمكن في هذا الصدد الفرز بين نوعين من المواقف ما يشير إلى افتقاد الوحدة في الموقف الغربي أولهما يمثل الموقف الأمريكي والآخر يمثل الموقف الأوروبي، ودلالات هذا التمييز تتضح لجهة الإشارة إلى احتمالات وجود قدر من الاختلاف في نهج التعاطي مع هذا الملف، ما قد يلقي بتأثيراته على مسار الحل.

ويبدو هذا التباين جليا فيما يصدر عن الدول الغربية من تصريحات تعبر عن رؤيتها للموقف من الأزمة. فرغم الاتفاق بين جانبي الأطلسي ـ الولايات المتحدة وأوروبا ـ على ضرورة تكثيف الجهود بما يحقق في النهاية هدف احتواء أي طموحات نووية عسكرية إيرانية، إلا أن الاختلاف يأتي فيما يتعلق بوسائل هذا الاحتواء.

هنا يمكن التمييز في الموقف الغربي بين صقور وحمائم، حيث تمثل الولايات المتحدة الصقور فيما تمثل أوروبا الحمائم. ويبدو ذلك واضحا من متابعة ما يصدر عن الطرفين حيث إ ن المواقف الأمريكية تصل في بعض الأحيان بالمرء الى تصور أن الحرب على إيران ليست واردة فقط وإنما أصبحت قاب قوسين أو أدنى، فيما تترك المواقف الأوروبية الانطباع في بعض الأحيان بأنه يمكن التسليم بتطور الأمور على الصعيد الإيراني على أي نحو تصل اليه على شاكلة ما تم مع توصل الهند وباكستان إلى سلاح نووي عام 1998.

صياغة موقف متماسك

ما بين هذين الرؤيتين تتكثف جهود الطرفين ـ الأمريكي والأوروبي ـ للوصول إلى موقف متماسك يعبر عن وحدة فيما بينهما - ووحدة في الموقف الدولي كذلك ـ على النحو الذي يعكسه عرض حزمة الحوافز المقدم من قبل خافيير سولانا المنسق الأوروبي مؤخرا لقادة طهران. وتوفر المتابعة المتأنية للتصريحات الصادرة عن المسؤولين الأمريكيين والأوروبيين عن صحة هذه الرؤية.

على الصعيد الأمريكي لا يتوانى الرئيس بوش في أغلب الأحيان عن التلويح بالخيار العسكري في مواجهة إيران وحملها على «الانصياع»، وهو ما أكد عليه خلال اجتماعه مع المستشارة الألمانية ميركل في 13 يونيو الماضي بالإشارة إلى أن كل الخيارات مفتوحة لإحباط الطموحات النووية الإيرانية، مهددا بمزيد من العقوبات إذا تقاعست إيران عن وقف تخصيب اليورانيوم.

وسيرا على النهج ذاته المتعلق بالتلويح بالعمل العسكري كان كشف البنتاجون الأمريكي عن المناورات الإسرائيلية ـ التي تمثل ذراعا أمريكيا في المنطقة ـ في مسعى لتأكيد خطط لمهاجمة إيران اذا واصلت رفض التخصيب وهو ما اعتبر رسالة غير مباشرة الى إيران عبر إسرائيل لإقناعها بالموافقة على سلة الحوافز الغربية، في سياق نوع من الاختبار النفسي وحرب الأعصاب لها.

ويلاحظ هنا أن تسريب خبر المناورات إنما تم من الولايات المتحدة وليس إسرائيل. فرغم أن هدف مواجهة الطموحات النووية الإيرانية يعد أمريكيا ـ إسرائيليا مشتركا، إلا أنه مما يسود قدر من الإجماع بشأنه هنا أن أي عملية إسرائيلية لن تكون سوى بعد الضوء الأخضر من واشنطن.

تسخين محدود

أما على صعيد الموقف الأوروبي، فهو يبدو أحيانا كمن لا ناقة له ولا جمل وأنه زج به في الأزمة لدواعي الارتباط بالولايات المتحدة. هنا نلحظ تصريحات تحاول أن تضفي على نفسها قدرا من التشدد ومن ذلك تصريحات المستشارة الألمانية ميركل والتي لم تستبعد مجموعة أخرى من العقوبات إذا تقاعست إيران عن التعاون وتعليق أنشطة التخصيب التي تقول طهران أنها للأغراض السلمية وتوليد الكهرباء.

ويلاحظ على هذه التصريحات أنها تأتي إثر الاجتماع مع بوش في برلين أثناء جولة له في أوروبا كان من بين أهدافها الضغط على الحلفاء للموافقة على إجراءات عقابية جديدة ضد إيران. وتتعزز هذه الرؤية بالنظر في تصريحات مصدر فرنسي أشار خلالها إلى أنه ليس هناك شئ منتظر من مهمة سولانا في طهران، وهو ما يعبر عن قدر من التشاؤم حيال مسار الأزمة.

في ظل هذا التباين في زاوية النظر إلى الأزمة مع إيران يمكن الإشارة الى أنه على المدى القريب من المستبعد أن يصل التسخين في هذا الملف حال رفض إيران حزمة الحوافز الى مرتبة نوع من المواجهة العسكرية وقد أشار الرئيس بوش بنفسه ـ رغم تلويحاته بالخيار العسكري ـ إلى استبعاد شن حرب على إيران قبل انتهاء ولايته.

ولسنا في حاجة إلى التأكيد على ما أشرنا إليه بخصوص الارتباط بين المواقف الإسرائيلية والأمريكية وخاصة إزاء قضية بالغة الأهمية مثل نهج التعامل مع طهران أن إقدام إسرائيل على خطوة كهذه يبقى أمرا غير متوقع.

يعني هذا أنه على مدى الشهور العديدة المقبلة والتي يوصف خلالها الرئيس بالبطة العرجاء والى حين قدوم وافد جديد إلى البيت الأبيض يمكن لنا توقع استمرار الملف الإيراني على وتيرة واحدة هي«التوتر المحكوم». ويعني هذا ارتفاع أسهم الرؤية الأوروبية القائمة على التعامل مع الأزمة حال استمرار الرفض الإيراني عبر العقوبات في ظل إصرار إيران على رفض مطلب وقف التخصيب.

إضاءة

يحاول الرئيس الأمريكي بوش التزام موقف متشدد رغم قرب رحيله عن البيت الأبيض وهو ما يجعل يده مغلولة وفي ذلك الصدد فقد راح يؤكد في المؤتمر الصحفي الذي عقده في سلوفينيا بعد أخر قمة أمريكية أوروبية يشارك فيها قبل انتهاء ولايته أن امتلاك إيران لسلاح نووي يمثل خطرا بالغا على السلام العالمي معتبرا أن هذا هو الوقت المناسب لنعمل جميعا لوقفهم.

مصطفى عبد الرازق