الرئيس ساركوزي، على موعد مع استحقاق قريب؛ أراده أن يكون من عيار تاريخي. فبعد حوالي ثلاثة أسابيع، يستضيف في باريس رؤساء دول وحكومات 43 دولة؛ في مؤتمر قمة ليومين، من المتوقع أن يتوّج بإعلان قيام «الاتحاد المتوسطي». الاستعدادات ووضع اللمسات الأخيرة، جارية لدى كافة المعنيين؛ لإطلاق مشروع يجري التشديد على طينته الاقتصادية؟ الأمنية طرحه الرئيس وعمل من أجله، منذ وصوله إلى الإليزيه.

إن رهان ساركوزي يكون هذا الاتحاد باكورة انجازات سياسته الخارجية وعلامتها الفارقة، وقد خصص له فريق عمل، عالي المستوى. انخرط شخصياً في الترويج وبذل الجهود، ليضمن الترجمة الناجحة لرؤيته الجيو سياسية المتوسطية. وضع ثقل فرنسا في الميزان، لتحقيق هذا الهدف؛ من منطلق قناعته بأن « المتوسط هو مستقبلنا وليس ماضينا»، كما يقول.

من هذا المنظور يرى ساركوزي، أن أوروبا تعاني من مشكلات وتحديات صعبة، ذات منشأ متوسطي. من أخطرها الهجرة غير الشرعية إلى البلدان الأوروبية، الإرهاب وغيره. كما يرى أن معالجتها لا تستقيم من دون تعاون الجوار المتوسطي. استمرار هذا الجوار، خاصة الأفريقي الشمالي، في ضخ هذه المتاعب إلى القارة، يقتضي التعاطي معه في المنشأ.

مفاد هذه المعادلة، أن تحسين أوضاع بلدان « المنبع»، من شأنه أن ينعكس إيجابياً على المشهد الأوروبي؛ وذلك عبر شراكة فعلية تخدم مصالح شمال وجنوب المتوسط. في البداية أثارت الفكرة، تحفظات وعلامات استفهام. اعترضت دول أوروبية.

مثل ألمانيا وغيرها من تلك التي لا تطل على المتوسط. تمّ تجاوز هذه العقدة، بالتفاهم على ضم هذا الأخير، بكل أعضائه ال 27، إلى التكتل المتوسطي. كذلك أبدت تركيا خشيتها من أن تكون هذه الصيغة، بديلاً عن قبولها في الاتحاد الأوروبي. لكنها عادت وخففت من تحفظها،

في الضفة الأخرى، كانت الردود مرتبكة، يسودها الارتياب، في أحسن أحوالها. بعض النخب السياسية والأكاديمية، رحّبت من باب أن «المتوسطي» سيكون له فوائد سياسية واقتصادية. لكن مع كل ذلك وعلى افتراض أن الإيجابيات مغرية كفاية وكفتها راجحة، إلا أن مشروع الاتحاد تسبّب في إحداث بلبلة واعتراضات، لجهة عضوية ودور إسرائيل. والمعلوم أن هذه الأخيرة كانت سبّاقة في الترحيب بالاتحاد.

كذلك المعروف، أن الدبلوماسي آلان لوروا، رئيس الفريق المكلف من قبل الرئيس ساركوزي بالإشراف على هذا الملف، سبق وأوضح بأن« هدف الاتحاد من أجل المتوسط، سياسي. لكن الحوافز اقتصادية». وأضاف: « لا يمكننا انتظار حلّ النزاعات قبل أن نقيم المشاريع. فالاتحاد من شأنه إطلاق عملية يرجى أن تساعد في حل النزاعات السياسية».

ما قاله لوروا وحاول ساركوزي حجبه، وضع الأمور في نصابها. المشروع مقصده المعلن اقتصادي، أمني، أوروبي متوسطي. لكنه في ذات الوقت يصب في توفير السياق الذي من خلاله يتم « تبليع» قبول إسرائيل كدولة في المنطقة؛ من دون التزامها بأية خطوات سلمية، تجاه الشعب الفلسطيني وقضيته.

كان حريّ بالرئيس الفرنسي، الذي يعتمد الاقتصاد كمدخل للسياسة في المنطقة؛ استعراض المحاولات المماثلة، في السابق وما انتهت إليه. من مبادرة برشلونة، عام 1995؛ التي ارتكزت على المال الأوروبي، كمساهم في حلّ النزاعات بين دول المتوسط؛ والتي كان مآلها الفشل؛ إلى المنتدى المتوسطي؛ ناهيك بمشروع «الشرق الأوسط الكبير»، الأميركي؛ وفكرة « الشرق الأوسط الجديد» وغيرها؛ والتي كانت جميعها بوابات التفافية للتطبيع مع إسرائيل.

بالرغم من هذه الدروس، يصرّ الرئيس ساركوزي على تصوير مشروعه على أنه مختلف. لكنه في الحقيقة ليس سوى محاولة من نفس البضاعة. علماً بأنه هو من أقرب الرؤساء الفرنسيين إلى إسرائيل. تأسيس «الاتحاد من أجل المتوسط» وبهذا الحجم من الدول، هو خطوة واعدة. لكن المنطقة تعاني من معضلة سياسية مصيرية، مالم يصار إلى معالجتها بحل مقبول يكون اتحاد ساركوزي في أحسن أحواله كمن يحاول وضع العربة أمام الحصان.