فجأة ودون سابق إنذار أطلق توني بلير رئيس الوزراء البريطاني السابق مؤسسته للإيمان (مؤسسة توني بلير الإيمانية)، وهي خطوة تثير، على النحو الذي تم به الإعلان عنها، فضلا عما حواه برنامجها من خطط ومشروعات، العديد من الهواجس بشأن أبعاد إنشائها وإمكانيات نجاحها. نشير بداية إلى ملاحظتين مهمتين ذاتي دلالة:
الأولى: أن التدشين تم من الولايات المتحدة وليس بريطانيا، ما يشير إلى افتقاد بلير الأرضية القوية التي تساند مشروعه من لندن.
الثانية: أن الإسلام شكل نقطة الارتكاز في حوار لبلير عن المؤسسة وأنشطتها مع «بي بي سي» الإنجليزية، ما يشير إلى أن الأديان، بصيغة الجمع، في مفهوم بلير، تنصرف إلى الدين الإسلامي - بصيغة المفرد - على صعيد التطبيق.
ليست النية التشكيك في الهدف من إنشاء المؤسسة، لكن محاولة التفكير فيما يمكن أن تقدمه على أرض الواقع، خاصة في ضوء ما يمكن اعتباره (نبل) المشروعات التي أعلنت اعتزامها القيام بها. ودون الدخول في تفصيلات يمكن للقارئ أن يجدها على موقع المؤسسة على الإنترنت، فإن فلسفتها تقوم على أن الدين ليس مجرد جزء من تاريخ الإنسان وإنما يمكن له أن يكون مرشدا إلى المستقبل في ظل تطورات العولمة، وعلى ذلك فإن التعاون، المفترض قيامه، يمكن أن يحقق نجاحا في مواجهة المشاكل الاجتماعية في العالم.
وتتحدد الأهداف الرئيسية للمؤسسة في أن تصير العقيدة دافعا للعمل الصالح والرفع من مستوى التفاهم بين الأديان ومعالجة ظاهرتي الفقر والحرب. وقد اختار بلير أن يبدأ بمحاربة الملاريا في افريقيا جنوب الصحراء، حيث نحو 40% من ضحاياها مسلمون، العمل الذي يمكن أن يجمع حسبه بين المسلمين والمسيحيين سويا من خلال المساجد والكنائس.
ورغم تشكيك البعض في نجاح هدف التقارب بين الأديان الذي وضعه بلير للمؤسسة، إلا أنه هدف، ينبغي تشجيع أي جهد يبذل على صعيده. ومع ذلك تبقى بعض التحفظات حول هدف بلير المتمثل في دعم الأشخاص والجماعات التي تحارب التطرف والإرهاب في الأديان الستة الرئيسية في العالم (الإسلام، المسيحية، اليهودية، البوذية، الهندوسية، السيخية).
ففي ظل هوس إعلامي غربي أساسا، بما يوصف بالتطرف والإرهاب الإسلامي، قد يختزل جهد المؤسسة، في هذا الصدد، في الانصراف إلى العمل على الصعيد الإسلامي، الأمر الذي يتطلب من بلير ومؤسسته تقديم تفصيلات بشأنه، وهل سينطلق في ذلك من أجندة نزيهة، أم تثار حولها الشبهات. وهنا يثار السؤال تحديدا حول مدى استقلالية المؤسسة عن أجندات دول بعينها ومنها الولايات المتحدة التي انطلقت من أرضها.
ويبقى السؤال مشروعا في ضوء ارتباط بلير بالمشروع الأميركي، وهو ما تطرق إليه مايكل إليوت في الـ «تايم» في معرض تناوله لفكرة المؤسسة، 28 مايو، بإشارته إلى تساؤلات البريطانيين أنفسهم بشأن إخلاص بلير نظرا لدوره في حرب العراق، ما يفسر عزوفه عن إطلاق المؤسسة من بلاده. إذا صحت الرؤية السابقة، فإنها تؤكد أن السياسة لا تغيب بأي حال عن المؤسسة، ما يقوض وجهها الإنساني الذي اجتهد بلير في إضفائه عليها.
ويبقى إلى جانب ذلك البعد الشخصي الذي قد يعكس حرصا من بلير على الوجاهة، وهو أمر أشار إليه مايكل جيرسون في «الواشنطن بوست»، عدد 4 يونيو، ما يمكن معه افتراض سعي بلير إلى عدم انحسار الأضواء عنه، خاصة في ظل خبو دور اللجنة الرباعية التي تم تعيينه كموفد لها، وهو المنصب الذي قد يفقده مع انتهاء حكم إدارة بوش، التي يسرت له مهمة ترؤس اللجنة.
ولعل ما يؤكد هذه الفكرة سعي بلير إلى ترؤس الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي استدعى تأسيس جماعة أطلقت على نفسها اسم «أوقفوا بلير» للحيلولة دون هذا الأمر. ورغم كل التمنيات بنجاح المؤسسة على صعيد أهدافها المعلنة، إلا أن الخوف أن يكون بلير بتلك الخطوة كمن قرر السباحة في بحر عميق. والخوف، كل الخوف، أن يغرق! .
