تميز ت أمانة عمرو موسى للجامعة العربية بمحطات عديدة بارزة، سواء على صعيد الأزمات العربية أو محاولات تفعيل العمل العربي المشترك، لكن ما يمكن الجزم به أنه أول أمين تشهد الجامعة في عهده حزمة مشروعات نووية عربية، فكثير من الدول العربية قررت الإقدام على إقامة هذه المشروعات، لتطوير قدراتها العلمية والاستفادة من الطاقة النووية السلمية. وهذه الجهود العربية تقابل - حتى الآن - بارتياح دولي، ربما لأن الدول المسيطرة على السوق النووية سوف تنال جانبا من فوائد هذه المشروعات.
الملاحظ الآن أن كل دولة عربية تعمل منفردة، فكل من مصر والأردن وليبيا والجزائر ودول الخليج قررت إقامة مشروعات نووية. وفي هذا الصدد تتحرك أيضاً كل دولة من دون تنسيق مع الأخرى. وهنا تبرز الحاجة ملحة إلى دور الجامعة في التنسيق بين الدول العربية التي قررت دخول الميدان النووي.
فهذه الصحوة النووية العربية وان كانت قد تمت بلا تنسيق مسبق، إلا أنها جاءت متزامنة، وتمثل فرصة ذهبية لعمل عربي مشترك. هذا المشترك هو ما نأمل أن تفعله الجامعة العربية، فربما تكون هذه الخطوة العفوية قادرة ـ إن أحسن استثمارها ـ على تحقيق عمل عربي مشترك جاد وفاعل، يمكن البناء عليه.
ليس نوويا فقط وإنما في المجالات العلمية عموما، باستطاعة الجامعة أن توحد العرب للحصول على أفضل الشروط على المستويين المالي والتكنولوجي. كما يمكن لها القيام بدور في اجتذاب الشركات وبيوت الخبرة العالمية ليحصل العرب مجتمعين على الأفضل لمشروعاتهم.
ولعل من المهم أيضاً التذكير بأن الجامعات والمؤسسات العلمية الغربية تعج بالمئات - بل الآلاف - من العلماء العرب المتخصصين نووياً. وهؤلاء يحتاجون إلى من يشجعهم للعودة لخدمة أوطانهم. وهذه مهمة صعبة، لكن الجامعة العربية تستطيع القيام فيها بدور فعال. وقد حان الوقت لذلك، فنحن على أبواب نقلة علمية نحتاج فيها لجهود هؤلاء العلماء.
وإذا استعرضنا الخلاف النووي الإيراني الغربي، يمكننا الاستفادة من دروسه. ليس فقط على مستوى فن التفاوض، ولكن أيضاً على مستوى إنشاء مؤسسات علمية عربية قادرة على الانجاز في مجال تخصيب اليورانيوم. وتتولى هذه المؤسسات توفير احتياجات المشروعات العربية منها، لضمان نموها واستقلاليتها. كي لا تولد مشروعاتنا ضعيفة علميا وتقنيا، وكي لا تظل أسيرة اعتمادها على ما يجود به علينا سادة التكنولوجيا.
الجامعة العربية أمامها مهام أخرى كثيرة على الصعيد النووي المشترك، ومنها إنشاء وكالة عربية عصرية للطاقة النووية، وان لم يكن، فيمكن تطوير مهام وصلاحيات الهيئة العربية للطاقة الذرية (المنظمة النووية العربية المنبثقة عن الجامعة).
بما يتوافق مع طموحات المرحلة الحالية، على أن تتولى هذه الوكالة أو الهيئة تمثيل العرب مجتمعين أمام الوكالة الدولية للطاقة النووية، وأن تتولى الرد على ملاحظات المؤسسات الدولية حول أي مشروع نووي عربي. بدلا من أن تتحرك كل دولة عربية منفردة فتعاني الضغوط وتواجه بالاتهامات.
وتستطيع هذه الوكالة إنشاء مؤسسات علمية وبحثية عربية، فدخول الميدان النووي يحتاج إلى بنية علمية وتمويل مالي هائل، وهذا ما لا تملكه دولة عربية بمفردها، ومن هنا فان الجامعة العربية بانتظار تحديات كثيرة، ربما أكثر مما سبق من عمرها.
لأن تحديات ومتطلبات العمل العربي المشترك في الميدان النووي ستجبر الجميع على أن ينشد جوانب التعاون. فالمال وحده لن يكفي من يملكه، والخبرات البشرية وحدها لن تكفي من يملكها. العمل العربي المشترك صار حتميا وفرضا على كل راغب في دخول النادي النووي، وإلا فسوف نضطر جميعا يوما ما إلى إلقاء مشروعاتنا النووية في البحر قبل أن تكتمل أو تسليمها للغير هربا من استحقاقاتها.
الدروس كثيرة أمام العرب على مستوى التجارب النووية، بداية من باكستان والهند اللتين أقامتا مشروعيهما بجهود وطنية، وحرصتا على استقلاله، إلى إيران التي يحسب لها النضال من أجل استقلالها النووي. كما يحسب لها أيضاً أنها منحتنا نحن العرب الشجاعة لتحدي مخاوفنا الدولية، ووضع أرجلنا على أول الطريق النووي. فهل نسلك الطريق الصحيح أم نتخبط بحكم العادة ؟ .
